
هدم “قصر بوسكورة”.. أسئلة معلّقة تكشف ثغرات في تدبير التعمير
هدم “قصر بوسكورة”.. أسئلة معلّقة تكشف ثغرات في تدبير التعمير
لا تزال قضية هدم “قصر الضيافة” ببوسكورة تثير موجة واسعة من الجدل، بعدما تحوّلت من مجرد ملف تعمير إلى فضاء مفتوح للأسئلة الثقيلة، تلك التي يصعب تجاوزها لأنها تمس جوهر الثقة في المؤسسات وطريقة تطبيق القانون. فمنذ بداية الواقعة، بدا واضحًا أن حلقة مفقودة تتوارى خلف الضجيج الإعلامي: كيف أقدمت السلطات على عملية هدم بهذا الحجم دون سند قانوني صلب؟
المحامي الذي ظهر خلال الندوة الصحافية زاد المشهد غموضاً بدل أن يزيل الالتباس، خصوصًا حين حاصره أحد الصحافيين بالسؤال الحاسم: ما نوع الترخيص الذي كان يتوفر عليه صاحب القصر؟ لحظة ارتباك قصيرة، ثم تدخلات أنهت الحوار قبل أن تكتمل الحقيقة، وكأن الإجابة تحمل ما لا يُقال.
غير أنّ النقاش الأعمق يتعلق بسؤال آخر أكثر حساسية: إذا ثبت وجود مخالفة، فهل تصل درجتها إلى حد الهدم الكامل؟
فالمنطق القانوني لا يساوي بين المخالفات كلها، ولا يتعامل مع قصر فاخر كما يتعامل مع براكة هشة، لكن الحقيقة التي يرددها الكثيرون هي أن القانون يجب أن يسري على الجميع، من دون استثناء ولا تجميل. فمن يبني خارج الضوابط يتحمل مسؤوليته، كيفما كان موقعه الاجتماعي أو حجم البناية التي يشيدها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: أين كانت السلطات حين كان القصر يُبنى حجراً فوق حجر؟
أليس من المفترض أن تكون أجهزة المراقبة حاضرة منذ البداية؟ وإذا كان هذا الغياب قد سمح بتراكم الاختلالات، فهل يعني ذلك ترك الوضع كما هو عليه؟ بالطبع لا. فالتراخي السابق لا يمكن أن يتحوّل إلى مبرر دائم لتجميد تطبيق القانون. التصحيح واجب، وإن جاء متأخراً.
القضية، إذن، ليست قصراً هُدم، ولا ترخيصاً ناقصاً، ولا نزاعاً بين إدارة ومحامٍ. إنها مرآة لخلل بنيوي في تدبير التعمير: تضارب في التأويل، تباين في المساطر، وغياب في التواصل يترك المجال للتأويلات والشبهات.
وإذا كان البعض يرى في الهدم “تشدداً مبالغاً فيه”، فإن آخرين يعتبرونه خطوة ضرورية لتأكيد أن لا أحد فوق القانون. لكن الحقيقة بين الرأيين تحتاج إلى وضوح: وثائق تُنشر، مساطر تُشرح، ومسؤوليات تُحدّد، حتى تُطوى هذه الصفحة بلا ضباب.
في النهاية، القضية أكبر من قصر، وأعمق من هدم. إنها اختبار صريح للدولة:
هل نحن أمام تطبيق عادل للقانون، أم أمام حالة أخرى تضاف إلى فوضى التعمير التي يدفع ثمنها المواطن البسيط قبل غيره؟





