...

التحالف الحكومي على المحك.. بريق يتلاشى والمعارضة تلتقط الأنفاس

التحالف الحكومي على المحك.. بريق يتلاشى والمعارضة تلتقط الأنفاس

منذ أن تشكل التحالف الحكومي الثلاثي بعد انتخابات 2021، كان الاعتقاد السائد أنّ البلاد تدخل مرحلة جديدة من التنسيق السياسي، وأن ثلاثة أحزاب كبرى ستعمل بيد واحدة على الملفات الثقيلة مثل التعليم والصحة وموجة الغلاء. غير أنّ بريق البداية سرعان ما خفت، وأصبح الحديث اليوم منصبًا على ضعف الانسجام وتراجع الأداء، بل وحتى اهتزاز الثقة المجتمعية.

التقرير الأخير الصادر عن مركز المؤشر للأبحاث لم يجامل أحدًا، فقد أوضح أن التحالف لم يُبْنَ على أساس رؤية سياسية مشتركة، بل تأسس فقط على جمع المقاعد لضمان أغلبية برلمانية. وهنا ظهر الخلل، لأن السياسة حين تتحول إلى مجرد أرقام بلا مشروع واضح، يسهل أن يتسرب إليها الارتباك، خاصة في قضايا حساسة كإصلاح التعليم، حيث بدا أن الحكومة لم تحسن التعامل مع الاحتجاجات الشعبية لا في الخطاب ولا في الممارسة.

الشق التدبيري طغى على الشق السياسي، فالحكومة انشغلت بالملفات اليومية وغابت عن الساحة السياسية سواء في البرلمان أو في الفضاء الحزبي. ومع غياب المبادرات التشريعية الكبرى، ضعف التنسيق بين المكونات الثلاثة، بل وحتى عند مناقشة قوانين الميزانية التي تُعتبر امتحانًا حقيقيًا لأي تحالف سياسي.

وزاد الطين بلّة أنّ الحكومة لم تستطع تقديم خطاب موحد يواجه المستجدات، خصوصًا أمام موجة الغلاء التي أثقلت كاهل المواطنين. وهكذا فقدت القيادة السياسية جزءًا كبيرًا من قوتها، وتراجعت الثقة بين الشارع والحكومة، بينما انخفضت شعبية حزب التجمع الوطني للأحرار بشكل ملحوظ، وهو الحزب الذي يقود رئاسة الحكومة.

في المقابل، المعارضة بدأت تستعيد أنفاسها. فحزب العدالة والتنمية الذي بدا ضعيفًا بعد هزيمته الكبيرة سنة ألفين وواحد وعشرين عاد تدريجيًا ليصعد من جديد، كما استغل حزب الاتحاد الاشتراكي الظرفية ليقوي خطابه السياسي ويظهر كبديل ممكن أمام المواطنين الباحثين عن صوت آخر.

إن استمرار التحالف بنفس الصيغة حتى انتخابات ألفين وستة وعشرين يظل أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لأن هشاشته التنظيمية واضحة، ولأنه يفتقد إلى قاعدة اجتماعية واسعة تدعمه، فضلاً عن غياب المبادرات السياسية النوعية. وهذا ما منح المعارضة فرصة ذهبية لتراكم النقاط وتقوي حضورها في المشهد السياسي.

ومع ذلك، يبقى الباب مفتوحًا على أكثر من احتمال. فقد ينجح التحالف في مراجعة أوراقه وإعادة بناء الثقة مع المواطنين، وقد يتعثر أكثر حتى يصل إلى مرحلة الانهيار التدريجي. لكن المؤكد أن المزاج الشعبي لم يعد يتسامح مع الخطاب الفضفاض، والمغاربة اليوم يريدون حلولًا عملية لتحسين أوضاعهم المعيشية، وأي حكومة لا تقدر على ذلك تجد نفسها أمام مأزق حقيقي.

باختصار، التحالف الحكومي اليوم يقف عند مفترق طرق، إما أن يستعيد الثقة ويقنع الشارع بجدوى استمراره، وإما أن يسجل في ذاكرة المغاربة كتجربة سياسية باهتة لم تحقق المأمول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى