آخر الأخبار

خالد سفير يكشف ملامح CAP2030.. كيف تستعد CDG لرهانات المغرب الجديدة؟

خالد سفير يكشف ملامح CAP2030.. كيف تستعد CDG لرهانات المغرب الجديدة؟

في سياق اقتصادي عالمي تحكمه الأزمات المتتالية وإعادة تشكيل سلاسل القيمة واشتداد المنافسة على الاستثمار، تتجه صندوق الإيداع والتدبير CDG إلى إعادة صياغة موقعها ودورها داخل الاقتصاد الوطني من خلال استراتيجية CAP2030، التي تراهن على تعبئة الادخار طويل الأمد وتوجيهه نحو المشاريع الكبرى والتحولات الاستراتيجية التي يعرفها المغرب.

وفي حوار مع مجلة الدرك الملكي، قدم خالد سفير، المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير، تصور المجموعة للمرحلة المقبلة، موضحاً أن التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني والدولي تفرض تطوير نموذج CDG بما يحافظ على مهمتها الأساسية المتمثلة في تعبئة الادخار طويل الأمد لخدمة تنمية المملكة.

ويقوم تصور CAP2030 على ثلاثة مبادئ أساسية، في مقدمتها المنفعة العملية، من خلال توجيه تدخلات المجموعة نحو الحاجيات الحقيقية التي يمكن أن تحقق أثراً مستداماً. أما المبدأ الثاني فيتمثل في الإضافة، أي عدم الدخول في منافسة مباشرة مع القطاع الخاص داخل الأسواق الناضجة، والتركيز بدل ذلك على المجالات الناشئة والتمويل طويل الأمد والمشاريع التي تتطلب تحمل مستويات من المخاطر قد لا تكون المؤسسات الأخرى مستعدة لتحملها.

أما المبدأ الثالث فهو الأداء، عبر تخصيص رأس المال بشكل أكثر دقة واعتماد نموذج اقتصادي متين يسمح بتحقيق أثر مستدام، بدل الاكتفاء بمجرد تعبئة الموارد أو الإعلان عن المشاريع.

وبحسب المعطيات التي قدمها سفير، فإن CAP2030 ستعيد تركيز مهن المجموعة حول محورين رئيسيين. الأول يتعلق بالتمويل، مع قدرة على تعبئة تصل إلى حوالي 100 مليار درهم للاستثمارات الهيكلية، بينما يرتبط المحور الثاني بالتنمية الترابية والمشاريع الكبرى ورأس المال الاستثماري، بهدف مواكبة الشركات ذات الإمكانات العالية والتحولات الكبرى التي يعرفها المغرب.

ولا تقف هذه الرؤية عند التمويل المباشر، إذ تراهن CDG على تنوع أدوات تدخلها، باعتبارها قادرة على العمل كممول ومستثمر، سواء عبر الدين أو رأس المال، فضلاً عن دورها كمشغل في مجال التنمية الترابية، وكمزود للهندسة والخبرة والقدرات التنفيذية في المشاريع الكبرى.

هذا التنوع، وفق التصور الذي قدمه المدير العام للمجموعة، يمنح CDG إمكانية التعامل مع المشاريع المعقدة من أكثر من زاوية، من خلال الجمع بين التمويل والاستثمار والهندسة والتنفيذ، وتقاسم المخاطر وتعبئة الخبرات المتوفرة داخل المجموعة بحسب طبيعة كل مشروع.

وفي قلب هذه الاستراتيجية، يحضر سؤال قدرة المغرب على الصمود أمام التحولات والأزمات الخارجية. فالمشهد الدولي الحالي لا يخلو من أزمات جيوسياسية واقتصادية ومناخية وتقلبات في الأسواق، وهو ما يجعل قدرة الدول على حماية اقتصاداتها وتعزيز قدرتها على التكيف عاملاً حاسماً في تحديد مسارات التنمية.

وفي هذا السياق، يبرز تصور CDG أن المغرب أظهر قدرة على التكيف بفضل الاستقرار المؤسساتي، والرؤية الاستراتيجية، والاستثمار المتواصل في البنية التحتية والصناعة والطاقة المتجددة والرأسمال البشري.

كما أن تعزيز السيادة في قطاعات حيوية، من قبيل الطاقة والماء والصناعة والأمن الغذائي، أصبح جزءاً من معادلة تقليص المخاطر المرتبطة بالصدمات الخارجية، خصوصاً في عالم باتت فيه الأزمات تنتقل بسرعة من سوق إلى آخر ومن قطاع إلى آخر.

غير أن السيادة الاقتصادية، وفق الرؤية التي عرضها سفير، لا تعني الانغلاق أو محاولة إنتاج كل شيء داخلياً، وإنما تعني امتلاك القدرة على التحكم في مسار التنمية وتقليص مستويات الاعتماد على الخارج عندما يتعلق الأمر بالقطاعات الحيوية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانفتاح الاقتصادي.

وهنا تبرز الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والشبكات اللوجستية، وتقوية المنظومة الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، بما يسمح للمقاولات المغربية بالانتقال من مجرد المشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية إلى لعب أدوار أكبر داخلها.

ويحتل الرأسمال البشري موقعاً أساسياً في هذه المعادلة، من خلال الاستثمار في الكفاءات والتكوين والتكوين المستمر والابتكار، خصوصاً في القطاعات التي ستحدد قدرة الاقتصاد على المنافسة خلال السنوات المقبلة.

كما تفرض التحولات الرقمية نفسها كأحد المجالات التي تحتاج إلى تسريع أكبر، ليس فقط على مستوى الإدارة والخدمات، ولكن أيضاً داخل الشركات، حتى تتمكن من تحسين الإنتاجية وتطوير منتجات وخدمات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وفي الجانب المالي، تراهن الرؤية الجديدة على توفير تمويلات طويلة الأجل قادرة على مواكبة المشاريع الكبرى، إلى جانب تطوير الأسواق المالية وتعبئة الادخار الوطني وتوجيه جزء أكبر منه نحو الاستثمار المنتج.

وتضع CAP2030 كذلك التنمية الترابية ضمن أولوياتها، في محاولة لربط الاستثمار بالمجالات الترابية وعدم حصر أثر المشاريع الكبرى في مراكز اقتصادية محددة. فالنمو، وفق هذا التصور، يفقد جزءاً من قيمته إذا لم يتحول إلى فرص اقتصادية وشغل واستثمارات يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الجهات.

وفي مقابل عناصر القوة التي يتوفر عليها المغرب، تطرح المرحلة المقبلة مجموعة من التحديات، في مقدمتها التنافسية، خصوصاً في ظل إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية واشتداد المنافسة بين الدول لاستقطاب الاستثمارات.

وتحتاج المملكة، في هذا السياق، إلى تقوية رأس المال البشري، وتسريع التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، ومساعدة الشركات المغربية على النمو وتوسيع حجمها، بما يسمح لها بالاندماج بشكل أكثر استدامة في سلاسل القيمة العالمية.

أما التحدي الثاني فيرتبط بسرعة تنفيذ المشاريع. فوجود رؤية استراتيجية ومشاريع كبرى لا يكفي وحده، ما لم تتمكن المؤسسات والفاعلون الاقتصاديون من تحويل هذه المشاريع إلى إنجازات ملموسة في آجال فعالة.

ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين القطاعين العام والخاص، وتعبئة الاستثمار الخاص إلى جانب الاستثمار العمومي، مع مواصلة المشاريع المرتبطة بالماء والطاقة واللوجستيك والصناعة، والحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات الاقتصادية والمالية الكبرى.

ويبرز تحدٍ ثالث يتعلق بالأمن الاقتصادي، من خلال القدرة على توقع مصادر الهشاشة وتنويع مصادر الاعتماد وتمويل الأولويات الاستراتيجية على المدى الطويل.

وفي هذه المعادلة، تبدو CDG أمام مهمة تتجاوز الدور التقليدي للمؤسسة المالية، لتتموقع كمستثمر طويل الأمد وميسر للتمويل والاستثمار والهندسة والتنفيذ، مع الحفاظ على طبيعة تدخلها كمؤسسة مطالبة بتحقيق أثر اقتصادي وتنموي واضح.

وتلخص الرسالة التي تحملها CAP2030 هذا التحول في الانتقال من مجرد امتلاك رؤية للمستقبل إلى القدرة على تحويل الرؤية إلى استثمارات ومشاريع ونتائج ملموسة. فالمرحلة المقبلة، وفق التصور المعروض، تحتاج إلى تعبئة أسرع للموارد، وإلى تعاون أكثر فعالية بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وإلى توجيه أكبر لرأس المال نحو المجالات التي يمكن أن تصنع تنافسية المغرب وسيادته الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

وبذلك تضع CDG نفسها أمام مرحلة جديدة من العمل، عنوانها تعبئة الادخار طويل الأمد، وتمويل المشاريع الهيكلية، ومواكبة التحولات الكبرى، مع رهان واضح على أن تتحول قدرة المغرب على الصمود أمام الأزمات إلى قدرة فعلية على خلق النمو والاستثمار وفرص الشغل في مختلف جهات المملكة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار

تابع الأخبار24