آخر الأخبار

من الريصاني إلى قيسارية: يعقوب بنشتريت... حاخام استثمر في بناء القلوب

من الريصاني إلى قيسارية: يعقوب بنشتريت… حاخام استثمر في بناء القلوب

من الريصاني إلى قيسارية: يعقوب بنشتريت… حاخام استثمر في بناء القلوب
هناك من يعيش حياته كاملة ثم يرحل تاركا خلفه ذكرى، وربما يصير هو نفسه مجرد إسم في الماضي، وهناك من يرحل تاركا وراءه بوصلة تنير مسالكنا في الحياة.

كان الحاخام يعقوب بنشتريت، من تلك النفوس الاستثنائية التي أثرت في آلاف الأشخاص، في صمت وتواضع وتفان لا حدود له، دون أن يطلب شيئا لنفسه.

ولد في المغرب، من سلالة الأولياء الأبرار، من حفدة الحاخام يعقوب أبو حصيرة من الريصاني، فكان يحمل في داخله بفخر، إيمانا لا يفنى وقيما مغربية لا تتلاشى.

9166e239 48f3 47bc 886b ffb77171bb95

شاء الله أن يرحل عن دنيا الناس في وقت صلاة المنحة من يوم السبت المقدس، في “باراشات فايلخ”، وهو وقت يسمى في التقليد اليهودي “عيت راتسون”، أي لحظة رضا إلهي خاصة ترتبط بالقداسة، بل هي أسمى لحظة تتجلى فيها العناية الإلهية في السبت المقدس، حيث دعي موسى النبي للالتحاق بالخالق.

أثر رحيله بعمق في كل من عرف الرجل وأعماله، أما بالنسبة لعائلته وأقاربه وطلابه وكل من عرفه وعاشره، فهو متيقن أن حياته كانت حياة قداسة وخير وتعلق راسخ بمبادئه كما بتعاليم التوراة.

لم يكن الحاخام يعقوب رجلا يبحث عن التكريم أو العناوين الكبرى، بل كان يفضل الأفعال على الأقوال، من عرفه يتحدث عن رجل استثنائي، رجل إحسان، يسعى دائما إلى فعل الخير، مكثرا من الأعمال الصالحة. رجل أحب التوراة بعمق، وكان على وجه الخصوص، شديد التعلق بدراسة كتاب “الزوهار المقدس”، الذي أصلت له ابنته الربانية إيدن بنشتريت، إلى جانب الصدّيق قديس الصويرة، الحاخام الأكبر مردخاي الشريقي.

يقال إن الزوهار، وهو العمل الأهم في “الكابالا”، دُرس في المغرب لقرون، فبعد موجات الاضطهاد المعادية لليهود عام 1391 في إسبانيا، لجأت جماعات يهودية إلى المغرب واعتمدت هذا الكتاب المقدس في دراساتها وطقوسها الدينية.

كان عالمه الروحي غنيا جدا، لكنه بقي في الوقت نفسه قريبا من الجميع، يستقبل كل إنسان بلطف، مستعدا دائما لتقديم المساعدة، بكرم وتواضع.
حياة في خدمة وطنيْه والآخرين
بالموازاة مع حياته التي كرسها للتوراة، ساهم أيضا، على مر السنين، في خدمة محبوبتيه، إسرائيل والمغرب، وفي بناء جسور السلام.
كان من مهندسي عدة مبادرات لتعزيز التعاون بين البلدين، في ترميم المقابر اليهودية (مثل مقبرة دمنات)، وفي قرارات كبرى مثل التدخل لدى الجهات العليا لتصحيح خرائط المغرب متضمنة صحراءه، مع تعميمها على جميع مقرات المؤسسات الحكومية في إسرائيل، كما خاض نضالا طويلا من أجل الاعتراف بصاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس “صالحا بين الأمم” “Juste parmi les Nations”، حيث خاطب ذات يوم وزير الخارجية في إسرائيل قائلا: “إن الدليل الأكبر على العمل البطولي لجلالته الذي أنقذ أجيالا كاملة من اليهود من موت محقق على يد النازيين، هو أنني أقف أمامك اليوم حيا، شاهدا اليوم على صفحة بطولية التي لا جدال فيها في تاريخ المغرب، في مواجهة نظام فيشي النازي”.

كان المغرب كما يجري في عروقه.
حياة لإنقاذ الآخرين كما قدم الكثير لأمن دولة إسرائيل في سنوات شبابه؛ ظل الرجل العظيم المتواضع وفيا لرسالته، دون أن يبحث يوما عن الاعتراف، وهل هناك اعتراف أكبر من الحب الذي يكنه له كل من عرفه؟ في جنازته تجاور رجال التوراة وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي وأصدقاؤه ومحبوه، في مشهد نادر يشهد على سمو شخصيته والمكانة التي كان يحظى بها في أوساط متنوعة من المجتمع.

حياة في خدمة الإيمان من أهم الأعمال التي تركها خلفه إرثا للأجيال، مكان أصبح في السنوات الأخيرة أحد أشهر فضاءات الصلاة في إسرائيل: ضريح “الأمورا”، الحاخام القديس أباهو، وابنه، في قيسارية. قبل نحو ثلاثة عشر عاما، حين كان عدد قليل جدا من الناس يعرف هذا المكان، ذهب الحاخام يعقوب ليطرق بابا بابا، ليتحدث مع السكان، ليدعو الناس، مؤمنا بكل قلبه أن هذا المكان المقدس سيصبح مركزا للصلاة والفرج، قبل أن يعمل على وضع أسس الزيارات الكبرى المنظمة إلى الموقع.

مرت السنوات وصارت رؤيته حقيقة، فاليوم يقصد آلاف المؤمنين وعشرات آلاف الزوار ضريح الحاخام أباهو، ولا سيما خلال أيام التوبة، حين يمتلئ المكان بجو من الصلاة والصحوة الروحية والوحدة.

كثيرون يرون في ذلك ثمار البذور التي زرعها رجل واحد، كان قد آمن بهذا المكان قبل أن يكتشفه الآخرون.

هناك من يستثمر في الماديات، وهناك من يبني القلوب ويهذب النفوس اختار الحاخام يعقوب بنشتريت أن يكرس حياته لبناء القلوب والنفوس وتزكيتها، ولإبراز روح التوراة والإيمان والمحبة، وإنارة طريق الآخرين دون أن يبحث لنفسه يوما عن الأضواء.

سيظل إرثه حيا لدى عشرات آلاف الأشخاص، لدى كل من استطاع حمايتهم أو التأثير فيهم أو عرفهم، وفي كل من يحمل معه القيم التي نقلها: التواضع، والمحبة التضامن والتفاني، والإيمان البسيط النقي.

لتكن ذكراه بركة، ولترتبط روحه مصونة في حزمة الحياة.

مصدر الخبر Hakisaron.com

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار

تابع الأخبار24