
سوق الأضاحي بين تضخم الأسعار وفوضى التصريحات بالمغرب
سوق الأضاحي بين تضخم الأسعار وفوضى التصريحات بالمغرب
يدخل سوق الأضاحي بالمغرب مرحلة حساسة، على وقع معطيات متضاربة وتفسيرات متباينة، تكشف عن اختلالات عميقة في تدبير قطاع تربية الماشية، في وقت يقترب فيه الطلب الموسمي من ذروته.
أولى هذه الإشارات جاءت من معطيات تفيد بأن جزءًا من صغار ومتوسطي المربين لم يصرحوا بقطعانهم لدى وزارة الفلاحة، بدافع التخوف من فقدان الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي. هذا المعطى لا يطرح فقط إشكال الشفافية، بل يعيد النقاش حول دقة الأرقام الرسمية، خصوصًا مع تقديرات تتحدث عن قطيع يفوق 6 ملايين رأس من الأغنام والماعز.
في موازاة ذلك، يطفو ملف الأسعار إلى الواجهة، حيث يثير مهنيون الانتباه إلى موجة مضاربة غير معلنة، تغذيها سلوكات رقمية غير منضبطة، إذ يلجأ بعض المربين إلى عرض أثمان مبالغ فيها على منصات التواصل، ما يخلق صورة مضخمة للسوق ويدفع الأسعار نحو الارتفاع بشكل غير مبرر.
الرد المؤسساتي على هذه الفوضى يأتي عبر التوجه نحو إطلاق نظام جديد لتتبع القطيع، يعتمد على ترقيم الحيوانات بواسطة حلقات إلكترونية، في محاولة لفرض قدر من الشفافية وضبط مسار البيع من المربي إلى المستهلك. خطوة تقنية تبدو واعدة، لكنها تضع القطاع أمام اختبار حقيقي في القدرة على التطبيق والتنزيل.
في الجهة الأخرى، لا يقل سلوك المستهلكين تأثيرًا على السوق، إذ يساهم الإقبال المبكر على اقتناء الأضاحي في رفع منسوب الضغط على الأسعار، رغم تأكيد المهنيين على توفر العرض بشكل كافٍ. هذا التفاعل المتسارع يعكس فقدان الثقة أكثر مما يعكس ندرة حقيقية في القطيع.
ولتخفيف حدة هذه الاختلالات، يتجه الخطاب المهني نحو تشجيع الشراء المباشر من المربين، بهدف تقليص دور الوسطاء الذين يتحولون، في كثير من الأحيان، إلى عنصر تضخيم للأسعار بدل تنظيمها.
بالموازاة مع ذلك، يجري العمل على إعادة هيكلة قطاع اللحوم الحمراء عبر إحداث تنظيم مهني جديد، يراهن على تحديث قنوات التسويق وتطوير البنيات التحتية، خصوصًا المجازر، في أفق بناء سلسلة إنتاج أكثر توازنًا.
غير أن الضغوط لا تتوقف عند السوق المحلي، إذ يبرر المهنيون ارتفاع أسعار الأعلاف المركبة بارتفاع كلفة المواد الأولية عالميًا، ما يضيف عبئًا إضافيًا على كاهل المربين، ويُبقي الأسعار في حالة شد وجذب بين العرض والتكلفة.
ورغم هذه التحديات، تشير المعطيات إلى أن القطاع عرف، قبل الصدمات المناخية الأخيرة، نموًا ملحوظًا في إنتاج اللحوم الحمراء بنسبة 51% بين 2008 و2019، مدفوعًا باستثمارات في البنيات التحتية وتحسين الإنتاجية، ما يعكس وجود قاعدة صلبة قابلة للتطوير.
في المجمل، يظهر سوق الأضاحي كمرآة لقطاع يحاول التحديث، لكنه ما يزال يشتغل بإيقاع غير متوازن، بين محاولات التنظيم من جهة، وضغوط الواقع من جهة أخرى، في مشهد يعكس حاجة ملحّة إلى تنزيل فعلي للإصلاحات بدل الاكتفاء بعناوينها.






