4.36 ملايين درهم لحراسة المكاتب… حين تُؤمَّن الجدران ويُترك الفلاح في العراء
أطلقت وزارة الفلاحة والصيد البحري صفقة عمومية تتعلق بخدمات حراسة بناياتها الإدارية بالعاصمة الرباط، صفقة انتهت، بهدوء إداري مألوف، إلى شركة فازت بمبلغ يقارب 4.36 ملايين درهم. المبلغ، حسب الوثائق، مخصص فقط للحراسة. لا زرع، لا سقي، لا دعم للفلاحين… فقط حراسة.
الرقم لم يمرّ مرور الكرام. ففي زمن يُطلب فيه من الفلاح الصغير أن “يصبر” على الجفاف، و”يتفهم” صعوبة الظرفية الاقتصادية، و”ينتظر” برامج الدعم، قررت الوزارة أن لا تنتظر، وأن تُحصّن مكاتبها أولًا. الجدران لها أولوية، أما الحقول فلتتحمل قدرها.
المنتقدون لم يعترضوا على مبدأ الحراسة في حد ذاته، بل على منطق الكلفة. 4.36 ملايين درهم تفتح شهية الأسئلة: كم عدد الحراس؟
وكم تدوم مدة الصفقة؟ وما الذي يجعل هذه الخدمة تستحق عرضًا بهذه القيمة، في بلد يعج بشركات محلية تقدم خدمات مماثلة بأثمنة أقل؟ وهل الحراسة هنا استثنائية، أم أن المكاتب باتت مهددة أكثر من العالم القروي؟
وتتجه أصابع التساؤل مباشرة نحو الوزير أحمد البواري، ليس للمطالبة بإلغاء الصفقة، بل بتوضيح معاييرها. كيف حُدد المبلغ؟ ولماذا هذا الخيار دون غيره؟ وهل كان اللجوء إلى عرض بهذا الحجم ضرورة أمنية… أم مجرد راحة إدارية؟
اللافت أكثر هو توقيت الحسم. 31 دجنبر، آخر أيام السنة، اليوم المفضل لإغلاق الملفات واستنفاد الاعتمادات قبل أن تعود إلى الخزينة. هنا، تعود تلك القاعدة غير المكتوبة في التدبير العمومي: “اصرف اليوم… ناقش غدًا”. وكأن المال العام لا يحتمل الانتظار، حتى لو كانت الأولويات خارج الأسوار.
السخرية المؤلمة أن هذه الصفقة تمرّ في وقت يطالب فيه فلاحون صغار بالدعم لمواجهة الجفاف، وبتخفيف كلفة الأعلاف، وببرامج استعجالية تحفظ الحد الأدنى من الاستمرار. لكن يبدو أن أمن المكاتب أوضح من أمن القرى، وأن الحارس الذي يحمي الباب أهم من الفلاح الذي يحمي الأمن الغذائي.
في النهاية، قد تكون الصفقة قانونية من حيث الشكل، ومطابقة للمساطر من حيث الإجراءات. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما هو قانوني، بل بما هو منطقي وعادل.
وحين تُصرف الملايين لحراسة الإدارات، بينما يُطلب من الفلاح شدّ الحزام، يصبح السؤال مشروعًا:
من الذي يحتاج الحماية أكثر… المكاتب أم الأرض؟

