وزيرة الرقمنة تتجاوز العربية… هل نحتاج مترجمًا لفهم السيادة؟

وزيرة الرقمنة تتجاوز العربية… هل نحتاج مترجمًا لفهم السيادة؟

في مشهد يصلح لأن يُدرَّس في مادة التناقض السياسي، خرجت وزيرة الانتقال الرقمي أمال الفلاح السغروشني لتحدثنا عن مغرب المستقبل… بلغة لا يتحدث بها أغلب مغاربة الحاضر. وزيرة مكلفة بـ«الرقمنة» اختارت الفرنسية، لا كأداة تواصل ظرفية، بل كخيار مريح، كأن الدستور مجرد تطبيق قديم لم يتم تحديثه بعد.

الرسالة كانت واضحة، وإن لم تُقَل صراحة: التحول الرقمي مشروع حديث، أما العربية فمكانها محفوظ في الافتتاحيات المدرسية وخطب المناسبات. الذكاء الاصطناعي، في هذا المنطق، لا يفهم إلا الفرنسية، وربما الإنجليزية، أما لغة البلاد فـ«غير متوافقة مع النظام». خطأ تقني؟ لا، بل ذهنية سياسية ترى في اللغة عبئًا، وفي الهوية خيارًا ثانويًا.

الأكثر سخرية أن المؤتمر عُقد في الرباط، لا في باريس، ومع ذلك بدا وكأنه نسخة لغوية مستوردة، «صُنع في فرنسا» مع ملصق مغربي للزينة. هنا لا نتحدث عن لغة أجنبية، بل عن إقصاء متعمد للغة رسمية، منصوص عليها في الدستور، يُفترض أن تحميها الحكومة لا أن تتجاوزها بثقة من يعتقد أن لا أحد سيحاسب.

وحين يُطرح السؤال البسيط: لماذا لا العربية؟ يخرج الجواب الضمني أكثر فجاجة من أي تصريح: لأنها لا تليق بالحداثة. وكأن اللغة العربية عاجزة عن احتضان مفاهيم الذكاء الاصطناعي، رغم أنها تُستخدم اليوم في الترجمة الآلية، وتحليل البيانات، وتطوير النماذج اللغوية… كل هذا موجود، لكن ليس في قاموس بعض الوزراء.

المفارقة المؤلمة أن وزيرة الانتقال الرقمي تُحدّثنا عن المستقبل بذهنية قديمة، ذهنية تعتبر أن التقدم لا يكتمل إلا إذا نُطق بلكنة أجنبية. رقمنة بلا سيادة لغوية، تحديث بلا احترام للهوية، وخطاب حكومي يطلب من المواطن أن يؤمن بمشروع لا يخاطبه بلغته.

في النهاية، ليست المشكلة في الفرنسية، بل في الرسالة السياسية التي تحملها: مغرب يتحدث عن المستقبل، لكنه ما زال مترددًا في الاعتراف بلغته. وهذا، في حد ذاته، أعطب نظام في مشروع التحول الرقمي قبل أن يبدأ.

Exit mobile version