Site icon الاخبار24

وزيرة التضامن تدعو لتغيير مفهوم “الخيرية” بالمغرب

وزيرة التضامن تدعو لتغيير مفهوم “الخيرية” بالمغرب

وزيرة التضامن تدعو لتغيير مفهوم “الخيرية” بالمغرب

في لحظة مفصلية تعكس تحولات عميقة داخل المجتمع المغربي، دعت نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى مراجعة جذرية للغة التي تُؤطر مجال الرعاية الاجتماعية، معتبرة أن الكلمات ليست مجرد تعابير عابرة، بل حوامل لمعانٍ تُشكل الوعي الجماعي وتؤثر بشكل مباشر على كرامة الأفراد.

وخلال مداخلتها في ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، لم تتردد الوزيرة في وضع الإصبع على جرح قديم داخل المجتمع، يتمثل في استعمال مصطلح “الخيرية” لوصف مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهو توصيف، في نظرها، لم يعد ينسجم مع التحولات الحقوقية التي يعرفها المغرب.

الخطاب هنا لا يتعلق فقط بتغيير لفظي، بل بتحول في الرؤية. فبين منطق الإحسان، الذي يضع المستفيد في موقع المتلقي السلبي، ومنطق الحقوق، الذي يعترف له بكرامته واستحقاقه، مسافة كبيرة تحاول الدولة اليوم تقليصها. الوزيرة كانت واضحة: المغرب لم يعد في حاجة إلى خطاب يختزل الرعاية في “الصدقة”، بل إلى منظومة تعترف بأن كل مواطن له حق في الحماية الاجتماعية، دون وصم أو إحراج.

هذا التحول لم يبق حبيس التصريحات، بل بدأ يأخذ طابعاً عملياً، من خلال التنسيق مع وزارة الداخلية لإزالة مصطلحات “الخيرية” من الواجهات الرسمية للمؤسسات، وتعويضها بتسميات أكثر انسجاماً مع المقاربة الحقوقية.

خطوة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات عميقة، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المؤسسة والمستفيد.

غير أن اللافت في هذا النقاش، هو ربطه المباشر بالنتائج الملموسة. إذ كشفت الوزيرة عن معطى غير مسبوق: أبناء وبنات مؤسسات الرعاية الاجتماعية حققوا، لأول مرة، معدلات نجاح في البكالوريا تفوق المعدل الوطني، متجاوزين بذلك نتائج عدد من المؤسسات العمومية والخاصة.

هذا الرقم، الذي قد يبدو تقنياً، يحمل في طياته رسالة قوية. فهو ينسف الصورة النمطية التي تختزل هؤلاء الأطفال في الهشاشة فقط، ويعيد تقديمهم كطاقات قادرة على التفوق متى توفرت لها الظروف المناسبة.

كما يعكس، في الآن ذاته، نجاعة المنظومة التي تواكبهم، من أطر تربوية ومكونين وإداريين، يعملون في الظل لكن أثرهم يظهر في النتائج.

الوزيرة لم تُخفِ هذا المعنى، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين أكدت أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يتغير. لم يعد الأمر يتعلق بعدد الاجتماعات أو التقارير، ولا بحجم الميزانيات المعلنة، بل بعدد المواطنين الذين تغيرت حياتهم فعلاً بفضل هذه السياسات. هنا، يتحول النقاش من لغة الأرقام الباردة إلى منطق الأثر الإنساني.

وفي خلفية هذا الطرح، يبرز سؤال أكبر: هل نحن أمام تحول حقيقي في فلسفة العمل الاجتماعي، أم مجرد إعادة صياغة للخطاب؟ المؤشرات الحالية توحي بأن هناك إرادة لإحداث قطيعة مع الماضي، لكن التحدي الأكبر سيبقى في الاستمرارية، وفي قدرة هذه الرؤية على الصمود أمام تعقيدات الواقع.

فالانتقال من “الخيرية” إلى “الحقوق” ليس مجرد قرار إداري، بل مسار ثقافي طويل، يتطلب تغييراً في الذهنيات، داخل المؤسسات كما داخل المجتمع. ويتطلب أيضاً سياسات مندمجة، تضمن التعليم، والتأطير، والإدماج الاقتصادي، حتى لا يبقى المستفيد أسير مؤسسة، بل يصبح فاعلاً داخل المجتمع.

Exit mobile version