
وزارة بنسعيد.. بين دعمٍ غامض وصحافةٍ بلا استقلالية
وزارة بنسعيد.. بين دعمٍ غامض وصحافةٍ بلا استقلالية
مرةً أخرى، يغرق قطاع الصحافة والنشر في متاهة جديدة من العبث والفوضى، تكشف عمق الأزمة داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي تبدو وكأنها تتعامل مع الإعلام كفضاءٍ للضبط والترويض لا كمنبرٍ للنقد والمساءلة.
فحين تتحدث مجموعة برلمانية تحت قبة البرلمان عن غياب الشفافية في توزيع الدعم العمومي، وعن معاييرٍ مشبوهة تخضع للانتماء السياسي أكثر من المهنية، يصبح من الصعب الحديث عن إصلاحٍ أو رؤيةٍ واضحة، لأن التحكم صار عنوان المرحلة بدل الشفافية والمحاسبة.
الأدهى من ذلك، أن المجلس الوطني للصحافة، المفترض أن يكون صمام الأمان للمهنة، يعيش شللاً تاماً بعد تمديد ولايته بشكل استثنائي، وتحويله إلى لجنة مؤقتة على المقاس تدير الفراغ ولا تصلحه. مشروع إعادة تنظيم المجلس مرّ بسرعةٍ لافتة في مجلس النواب، ثم اختفى في دهاليز الغرفة الثانية دون تفسيرٍ مقنع، وكأن المطلوب هو شراء الوقت لا بناء مؤسسةٍ حقيقية تحمي حرية الصحافة واستقلالها.
في ظل هذا المشهد المرتبك، تصبح الحرية الصحافية مجرد شعار للاستهلاك السياسي. فالحكومة ما تزال تصر على محاكمة الصحافيين بالقانون الجنائي، بينما يواجه شباب “جيل زاد” المتابعات والاعتقالات لمجرد التعبير عن رأي أو انتقاد. فكيف يمكن إقناع الناس بأننا في بلدٍ يحترم حرية التعبير، بينما تُكبل الأقلام وتُخنق الأصوات؟
ثم جاءت فضيحة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي لتضع النقاط على الحروف. مديرة تعلن نفسها ناجحة في مباراة تشرف عليها بنفسها، في مشهدٍ سريالي يلخص عقلية “الحق في المنصب” لا “حق الكفاءة”. والأغرب أن أطروحتها الأكاديمية التي اعتمدت عليها في الترشح نوقشت بعد إعلان المباراة! فأين هو الوزير الذي يفترض أن يراقب هذا العبث داخل قطاعه؟
اليوم، أصبحت المسؤولية السياسية والأخلاقية للوزير المهدي بنسعيد واضحة. فإما أن يختار طريق الإصلاح الحقيقي ويكسر حلقة التعيينات الانتقائية واللجان المؤقتة، أو يظل عنوانًا لمرحلةٍ تُدار فيها الصحافة كما لو كانت ملحقًا إداريًا لوزارةٍ تبحث عن الصورة لا عن المضمون.
ما يحتاجه الإعلام المغربي اليوم ليس شعارات براقة ولا خطط تزيينية، بل إرادة سياسية حقيقية تُعيد الاعتبار للصحافيين، وتضمن لهم مساحة حرية تحميهم من التوجيه والإخضاع. فالصمت الذي يخيم على القطاع ليس حيادًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات تُفضل الولاء على الكفاءة والغموض على الشفافية.






