قانون الصحافة.. هل صيغ التنظيم الذاتي في غياب المهنيين.. أم أُعدّ كوصاية باسم الإصلاح؟
في مشهد سياسي يبدو مألوفًا لمن اعتاد على “المفاجآت التشريعية” العابرة للصوت المهني، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.
غير أن تمرير هذا النص لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني بل بدا كما لو أنه تمريرة فنية ضد المهنة نفسها وضد الصحافيين تحديدًا من دون علمهم أو إشراكهم. تمريرة خلفية هادئة لكنها محمّلة بأثقال رمزية ولغوية لا تخطئها العين ولا الأذن.
كلمة “مرّر” وحدها تكفي لتكشف النوايا. فالفعل في اللغة يعني الإكراه، كما يعني جعل الشيء بلا طعم ولا لون، وكأن المقصود هو قانون مرّ الطعم، خالٍ من الروح، لا يشبه شيئًا إلا نفسه، ولا يعكس سوى منطق الوصاية على قطاع يُفترض أن يكون حرًا مستقلًا.
بعيدًا عن جوقة التصفيق، تَداول أهل المهنة هذه الخطوة بمرارة. فالذين يفترض أنهم ممثلو الصحافيين لم يكونوا في قلب النقاش ولا على هامشه، بل خارج اللعبة بالكامل.
أما الذين هندسوا هذا القانون، فيبدون كمن استلهموا الفكرة من زمن الإكراه السياسي لا من روح التنظيم الذاتي.
ويا للمفارقة. القانون الذي جاء لتنظيم الصحافة تم تمريره بصيغة غير ديمقراطية ولا تشاركية. قانون من خارج الجسم الصحافي لا يمت بصلة إلى شروط التمثيلية أو منطق الانتخاب.
بل يبدو كأنه نسخة معدّلة من نفس النموذج الذي فُرض على فيدرالية الناشرين سابقًا حين جرى تفكيكها بـ”الهروب الكبير”، بعد تدخلات فوقية مارست التهديد والترغيب لإعادة هندسة الخريطة الإعلامية وفق أهواء مراكز القرار.
أصوات من داخل الحقل الإعلامي، من وزراء سابقين إلى ناشرين وصحافيين ومحامين وحقوقيين، رفعت راية الرفض. الجميع تقريبًا قال لا. لا للتعيين بدل الانتخاب.
لا للتنصيب بدل الشرعية. لا لتفصيل القوانين على مقاس الولاء. ومع ذلك مر القانون، وكأننا نعيش زمنًا آخر لا يعرف معنى الشراكة ولا يحترم مبدأ التعدد.
وحدها نقطة وحيدة أنقذت النص من السقوط المدوي، حين انتصر العقل داخل البرلمان وقرر الإبقاء على صلاحية توقيف الصحف بيد القضاء لا بيد جهة إدارية.
أما ما تبقى من مقتضيات القانون، فيبدو مرشحًا للذوبان الذاتي، فكل ما يُبنى على الرفض يسقط عاجلًا أو آجلًا.
القانون الذي يُراد له أن ينظم المهنة لا يمكن أن يُفرض على المهنة من خارجها. التنظيم الذاتي لا يستقيم بدون الانتخاب ولا بدون صوت كل صحافي، ولا يجوز اختزاله في أرقام وهمية أو انتدابات مشبوهة.

