...

هل فقدت المحافظة العقارية بوصلتها الإدارية؟

هل فقدت المحافظة العقارية بوصلتها الإدارية؟

في الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، تُرسم الحدود بالسنتيمتر، لكن تُدار الأزمات بالارتجال. مؤسسة يُفترض أن تكون نموذجًا في الضبط والدقة، تجد نفسها عاجزة عن ضبط أبسط تفاصيلها الداخلية دون أن تتحول إلى احتقان، أو بيان نقابي، أو أزمة ثقة جديدة.

المفارقة أن وكالة تُشرف على الملكية والعقار والمساطر الحساسة، تبدو أقل قدرة على إدارة مناخها الداخلي. كلما طُرح مطلب مهني، جاء الرد إما بالصمت أو بقرار إداري يزيد الطين بلّة. كأن الإدارة تعتقد أن الهيبة تُبنى بالتشدد، لا بالحوار.

الاحتجاجات المتكررة ليست وليدة فراغ، بل نتيجة تراكمات: وعود بالإصلاح، لجان للاجتماع، تقارير للتقييم… ثم لا شيء يتغير. الموظفون يشتكون من الضغط والاكتظاظ وضعف التواصل، والإدارة ترد بإجراءات تنظيمية تُقدَّم كحلول، بينما تُقرأ كاستفزازات.

السخرية السياسية هنا أن وكالة تُدير ملايين الملفات، وتعالج نزاعات عقارية معقدة، تتعثر في ملفات داخلية أقل تعقيدًا بكثير. وكأن الصرامة تُمارس على المواطن في الخارج، فيما الفوضى تُدار في الداخل.

الأخطر ليس في الخلافات، بل في غياب رؤية واضحة لإصلاحها. حين تتحول المؤسسة إلى ساحة صراع بين مسؤولين، يدفع الموظف الثمن أولًا، ثم المواطن لاحقًا. فالأداء الإداري لا ينفصل عن المناخ الداخلي، والخدمة العمومية لا تزدهر في بيئة مشحونة.

الوكالة اليوم أمام امتحان بسيط في شكله، عميق في معناه: هل تختار منطق التدبير الحديث القائم على الحوار والشفافية، أم تستمر في إدارة الأزمات بأسلوب تقليدي يراكم الغضب؟ لأن الخرائط، مهما بلغت دقتها، لا تُخفي تصدعات الإدارة.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى