نزيف المقاولات المغربية.. حين تُترك الصغيرة لتغرق وتنجو الكبرى بالعقود

نزيف المقاولات المغربية.. حين تُترك الصغيرة لتغرق وتنجو الكبرى بالعقود

لا يبدو أن الحكومة استوعبت بعد حجم الأزمة التي يعيشها النسيج الاقتصادي المغربي، فالأرقام التي كشفتها النائبة البرلمانية عائشة الكوط صادمة بكل المقاييس: أزيد من 40 ألف مقاولة أفلست سنة 2024، مقابل حوالي 33 ألفًا سنة 2023، والعدد في طريقه للارتفاع سنة 2025 إذا استمرت الأمور كما هي عليه. هذا ليس مجرد رقم في تقرير، بل مؤشر خطرٍ حقيقي على اقتصادٍ بدأ يفقد توازنه من الداخل.

البرلمانية لم تُجامل أحدًا حين وصفت الوضع بـ“نزيف مستمرٍّ لا يلقى أي إسعاف حكومي حقيقي”، مؤكدة أن التمييز في المعاملة بين المقاولات الصغيرة والكبيرة أصبح قاعدةً لا استثناءً. فالشركات الكبرى تحظى بكل أشكال الدعم والتسهيلات، بينما تُترك المقاولات الصغيرة لتصارع السوق والضرائب والديون وحدها، حتى تسقط في النهاية في خانة الإفلاس.

نظام “المقاول الذاتي”، الذي كان من المفترض أن يكون رافعة للشباب والمبادرين، تحوّل إلى عبءٍ بيروقراطي وضريبي خانق، حسب قول الكوط، إذ وجد المئات من حاملي المشاريع الصغيرة أنفسهم عاجزين عن الصمود أمام الأعباء، بلا تكوين ولا مرافقة ولا حماية، فاختاروا ببساطة الانسحاب.

الانتقادات البرلمانية لم تتوقف هنا، فقد وجّهت الكوط سهامها مباشرة نحو الحكومة، متهمةً إياها بـ“غياب الإرادة السياسية الحقيقية” لإنقاذ النسيج الصغير والمتوسط. وأشارت إلى أن برامج مثل “فرصة”، التي رُوّج لها كحلٍّ سحري لتشغيل الشباب، انتهت إلى فخٍّ كبيرٍ جرّ الكثيرين إلى الديون والعطالة وحتى السجون.

وفي مفارقة لافتة، تقول الكوط إن الحكومة تُسرع في إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بدعم الشركات الكبرى، بينما تتباطأ في إخراج القوانين التي تهم المقاولات الصغيرة. هذه الازدواجية في السرعة والتطبيق، بحسبها، تكشف خللًا عميقًا في الرؤية الاقتصادية، وتُكرّس منطق “الأقوياء أولًا والباقي ينتظر”.

لكنّ الأخطر في كل هذا هو ما أشارت إليه البرلمانية حول هيمنة عددٍ محدودٍ من الشركات الكبرى على السوق الوطني، ما أدى إلى خنق المنافسة وإجبار المقاولات الصغيرة على التعامل معها دون أي حماية أو ضمانات، في ظل تأخر الأداء وضعف السيولة. النتيجة واضحة: انهيار متسلسل لمئات المقاولات التي لم تعد قادرة على البقاء.

أما ارتفاع أسعار المحروقات فكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ رفعت التكاليف التشغيلية للمقاولات الصغيرة، خصوصًا في قطاعي النقل والخدمات اللوجستيكية، مما زاد الطين بلة.

البرلمانية لم تُخفِ قلقها من أن يمتد هذا الانهيار حتى إلى “البنية الاقتصادية التقليدية”، مع توسع الشركات الكبرى وانتشار الماركات التجارية داخل الأحياء السكنية، وهو ما تسبب في إفلاس مئات “الحوانيت” الصغيرة التي كانت تمثل شريانًا اجتماعيًا واقتصاديًا لسنوات طويلة، وتوفّر خدماتٍ إنسانية بسيطة مثل البيع بالدَّين للأسر محدودة الدخل.

في المحصلة، الصورة قاتمة: اقتصادٌ يُنقذ الكبار ويترك الصغار يغرقون. وفي ظلّ غياب سياسات واقعية وشجاعة، يبدو أن النسيج المقاولاتي المغربي يتآكل بصمتٍ، قطعةً بعد أخرى، بينما يكتفي المسؤولون بالتبريرات والأرقام الباردة.

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى سيظل صغار المستثمرين يدفعون ثمن فشل الكبار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى