نزار بركة بين لغة الأرقام وغضب الموظفين
يبدو أن الوزير نزار بركة اختار أن يُدير ملفات وزارته بمنطق العناوين العريضة والوقت الطويل. خطاب كثير، مواعيد بلا تاريخ، وملفات تُرحَّل من اجتماع إلى آخر، حتى صارت الوعود نفسها بحاجة إلى إصلاح. هكذا ترى النقابات المشهد، وهكذا يتكشّف واقع إدارة تُتقن فنّ التأجيل أكثر مما تُتقن فنّ الحل.
التنسيق النقابي لم يعد يُخفي غضبه. فالنظام الأساسي لموظفي الوزارة، الذي كان يُفترض أن يكون مدخلًا للإنصاف والاستقرار، تحوّل إلى ملف مُجمَّد باسم “الأولويات المالية”.
عبارة مرنة، تصلح لكل المواسم، وتُستعمل حين يُراد تبرير اللاقرار. الغريب أن هذه الأولويات تظهر وتختفي حسب القطاع، ما يجعل الحديث عن العدالة ضربًا من البلاغة الإدارية.
الوزير، في نظر النقابات، لم يقدّم تصورًا إصلاحيًا واضحًا. لا جدول زمني، لا رؤية شاملة، ولا إشارات تُطمئن الموظفين. إصلاح بلا بوصلة، يُدار بمنطق ردّ الفعل لا بالفعل. والنتيجة فجوة تتسع بين الإدارة وموظفيها، واحتقان اجتماعي يُدار بالصبر لا بالحلول.
وعندما يُثار سؤال الموارد، يأتي الجواب جاهزًا: التقشف. غير أن النقابات ترى في ذلك هروبًا إلى الأمام. فالإشكال، حسب قراءتها، سياسي بالأساس. اختيارات تُفضّل التجميد على الاستثمار في العنصر البشري، ثم يُطلب من الموظف أن يتفهم. قطاع يفقد جاذبيته، وكفاءات تُصاب بالإحباط، فيما الخطاب الرسمي يكتفي بشرح العجز بدل معالجته.
ملف عمال الشساعة الاستثنائية يختصر هذا المنطق. هشاشة مستمرة، وضعيات مؤجلة، وحلول لا ترى النور. لو كانت الإرادة السياسية حاضرة، لما بقي هذا الملف شاهدًا دائمًا على غياب القرار. لكن يبدو أن إدارة الهشاشة أسهل من إنهائها.
أما قطاع الماء، فحدّث ولا حرج. اختلالات بنيوية، حقوق معلّقة، حوار اجتماعي غائب. التزامات سابقة، من قبيل “عقد البرنامج” ومذكرات الترقية، بقيت حبيسة الرفوف. التوقيع يتم، ثم يُنسى، وكأن الذاكرة الإدارية قصيرة بطبيعتها.
حتى ملف السكن الإداري لم يخرج عن القاعدة. غموض، صمت، وغياب للشفافية. وحين يغيب الوضوح، تتكاثر الشكوك، وتتحول الأسئلة البسيطة إلى أزمة ثقة.
النقابات تحذّر بوضوح: الاستمرار في هذا النهج لن يُنتج سوى مزيد من الاحتقان. فحصيلة الوزير، في ميزانها، ليست سوى تراكم للملفات العالقة، وتأجيل مُمنهج للإصلاح، وإدارة تُراهن على الوقت بدل القرار. حصيلة تختصرها سخرية مُرّة: وزير يُتقن لغة التبرير… ويُجيد تأجيل الإصلاح إلى أجل غير مسمى.

