من بروكسل… أوروبا تُبدّل نبرتها: الحكم الذاتي للصحراء يدخل قاموس الـ27
في بروكسل، حيث تُصاغ المواقف الثقيلة بعبارات محسوبة، خرجت الدورة الخامسة عشرة لمجلس جمعية المغرب والاتحاد الأوروبي بخلاصة غير عادية: أوروبا، بكل دولها السبع والعشرين، قرّرت أن تقول بصوت واحد ما كانت تقوله همسًا من قبل. الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لم يعد “فكرة مطروحة” فحسب، بل إطارًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق لإنهاء نزاع طال أمده حول الصحراء المغربية.
التحوّل لم يأتِ من فراغ. البيان المشترك الذي وقّعه ناصر بوريطة ونظيرته الأوروبية كايا كالاس حمل لغة مختلفة، أقلّ دبلوماسية تقليدية وأكثر مباشرة. لأول مرة، تتفق العواصم الأوروبية مجتمعة على أن “الحكم الذاتي الحقيقي” يمكن أن يشكّل حلًا نهائيًا للنزاع، لا مجرد خيار ضمن خيارات.
البيان لم يخرج عن سقف الشرعية الدولية، بل أعاد تثبيت البوصلة نحو الأمم المتحدة ومسارها السياسي. الاتحاد الأوروبي دعا، بوضوح، جميع الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، في انسجام مع ما يطلبه مجلس الأمن منذ سنوات.
واللافت أن بروكسل لم تكتفِ بالتنظير. فقد نوّهت باستعداد المغرب لتقديم توضيحات عملية حول كيفية تنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في إشارة مباشرة إلى جدية الرباط ومصداقية طرحها، بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة التي أرهقت الملف.
هذا الموقف الأوروبي جاء متناغمًا مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي جدّد دعمه لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، وكرّس مرة أخرى مركزية مبادرة الحكم الذاتي في أي حل سياسي واقعي ودائم.
صحيح أن دولًا أوروبية وازنة كانت قد عبّرت، بشكل فردي، عن دعمها لسيادة المغرب على صحرائه، لكن الجديد اليوم هو الانتقال من المواقف المنفردة إلى موقف جماعي. إجماع الـ27 ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّل نوعي يعيد رسم خريطة التوافق الأوروبي حول هذا النزاع.
في الخلفية، يبرز الزخم الدولي الذي يقوده الملك محمد السادس منذ سنوات، والذي تُوّج بتراكم اعترافات ومواقف داعمة، وصولًا إلى قرار مجلس الأمن الأخير. بروكسل، في هذا السياق، بدت وكأنها تلتحق بمسار بات يصعب تجاهله.
النتيجة؟ موقف أوروبي جديد لا يكتفي بدعم حل سياسي، بل يمنح العلاقات المغربية-الأوروبية دفعة إضافية، أساسها الوضوح والواقعية. الصحراء، من بوابة بروكسل هذه المرة، تدخل مرحلة مختلفة… أقل رمادية، وأكثر اقترابًا من الحسم.
