من المسؤول عن فوضى أسعار “الطاكسيات”؟
يقدّم المغرب نفسه كوجهة سياحية عالمية، غنية بثقافتها وتنوع مناظرها، لكن الزائر سرعان ما يكتشف أن الجمال الطبيعي سهل الوصول، بينما خدمات النقل—وتحديدًا سيارات الأجرة—تتطلب شجاعة إضافية لا تُذكر في الكتيبات السياحية. فالتنقل داخل المدن المغربية، بدل أن يكون جزءًا من المتعة، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى مغامرة لا تقل إثارة عن عروض السيرك.
في قلب الإشكال يقف النظام التسعيري، أو بالأحرى غيابه. فالعداد، ذلك الجهاز الذي وُجد ليضمن الشفافية، يعيش في وضعية «شاهد ما شافش حاجة».
يختفي عند دخول الزبون، خصوصًا إن كان سائحًا يبدو على وجهه أثر اليورو أو الدولار. يسأل السائح عن السعر، فيأتيه الرد على طريقة المزادات: “حسب النهار… وحسب الطريق… وحسب المزاج.” وهكذا يصبح ثمن الرحلة أقرب إلى عمل فني تجريدي منه إلى قيمة حسابية منطقية.
وليس السائح وحده ضحية هذه الفوضى؛ فالمواطن المغربي نفسه يدخل السيارة ويخرج منها وهو يتساءل: “هل أنا ابن البلد أم مجرد فرصة إضافية لجمع الأرباح؟” فقد أصبح التفاوض جزءًا من الرحلة، وكأن الزبون لا يستحق خدمة واضحة بل “امتحان صبر” يسبق الوصول إلى الوجهة. هذه الممارسات لا تُهين فقط السائح، بل تقطع شيئًا من الثقة داخل المجتمع نفسه.
ومع ظهور خدمات النقل الحديثة عبر التطبيقات، ظهر التناقض الفاضح. منصّات تعمل بشفافية، تُخبرك بالسعر قبل أن تفتح الباب، وتعاملك بحد أدنى من المهنية… مقارنةً مع خدمات تقليدية لم تواكب التطور، وتصرّ على البقاء في دائرة الفوضى وكأنّ الزمن متوقف عند عام 1980. هذه المقارنة وحدها كافية لتُظهر حجم الفجوة بين ما يطمح إليه المغرب سياحيًا وما يقدّمه فعليًا على الأرض.
الحلول لا تحتاج عصا سحرية، بل رغبة حقيقية في الإصلاح: تنظيم صارم للقطاع، تدريب فعلي للسائقين، وضبط التسعيرة بآليات لا يمكن الالتفاف عليها.
فحين يصبح دخول السائح إلى سيارة الأجرة وخروجه منها تجربة عادية، بل ممتعة، سيعرف الجميع أننا بدأنا نسير في الاتجاه الصحيح. أما إذا بقي السائح يخرج من الطاكسي متفاجئًا أكثر مما كان عند دخوله، فلن تنفع لا حملات ترويجية ولا صور ليلية للمدن… لأن الحقيقة تبدأ دائمًا من الشارع.

