
من التصفيق إلى الانتقاد… الأغلبية تغيّر جلدها!
من التصفيق إلى الانتقاد… الأغلبية تغيّر جلدها!
في أجواءٍ سياسية واجتماعية متوترة، ومع بداية الدخول البرلماني الجديد، يشهد البرلمان المغربي تحولًا واضحًا في خطاب الأغلبية الحكومية التي بدت، بشكلٍ غير مألوف، أقرب في لهجتها إلى المعارضة منها إلى الدفاع عن الحكومة التي تنتمي إليها. هذا التحول المفاجئ جاء مباشرة بعد الخطاب الملكي الأخير، الذي وجّه انتقادات صريحة إلى ممثلي الأمة بسبب ضعف أدائهم التشريعي والرقابي، وابتعادهم عن قضايا المواطنين وهمومهم اليومية.
منذ الجلسات الأولى، بدت نبرة النواب أكثر حدة وجرأة. خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية والتعليم، عبّر محمد غياث، النائب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، عن قلقه من الوضع الحالي في التعليم العمومي، منتقدًا ظاهرة الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، حيث يُطلب من أستاذ واحد تدريس سبعين تلميذًا في قسم واحد. واعتبر غياث أن هذا الوضع يهدد مستقبل الأطفال المغاربة ويعمّق من معاناة الأسر، مشددًا على ضرورة تحمّل الجميع لمسؤوليته في مواجهة هذه الأزمة التي وصفها بـ“المخيفة”.
وفي السياق نفسه، لم يتردد أحمد تويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، في توجيه انتقادات لاذعة للنخب السياسية والإدارية التي “هربت” من التعليم العمومي نحو مدارس البعثات والمدارس الخاصة، معتبرًا أن هذا السلوك يمثل فقدانًا صارخًا للثقة في المنظومة العمومية. وأضاف تويزي أن المدرسة المغربية التي كانت في السابق سُلّمًا للترقي الاجتماعي، تحولت اليوم إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية، داعيًا إلى إصلاح جذري يعيد للمدرسة مكانتها ودورها في تحقيق العدالة التعليمية.
أما نور الدين مضيان، عن حزب الاستقلال، فقد عبّر بدوره عن استيائه من تعامل وزارة التعليم مع مطالب النواب، مؤكدًا أنه وجّه مراسلات رسمية ولم يتلق أي رد، سواء من الوزارة أو من الأكاديميات الجهوية. واعتبر أن السكوت عن المشاكل المتراكمة في القطاع أمر غير مقبول، داعيًا المسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم في معالجة القضايا التي تهم الأسر المغربية بشكل مباشر.
هذا التحول في خطاب الأغلبية أثار تساؤلات واسعة حول أسبابه الحقيقية، خاصة وأنه يأتي في وقتٍ تشهد فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وتراجعًا في ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية. ويرى محللون أن الأغلبية تحاول من خلال هذا التغيير النأي بنفسها عن الحكومة من جهة، واستعادة ثقة الشارع المغربي من جهة أخرى، في محاولة لإعادة رسم صورتها قبل الدخول في السنة الأخيرة من الولاية التشريعية.
لكن السؤال المطروح هو: هل يمثل هذا التحول مراجعة سياسية حقيقية لأداء الأغلبية، أم أنه مجرد مناورة ظرفية أملتها الضغوط والانتقادات؟ فالزمن وحده كفيل بالإجابة، غير أن المؤكد أن البرلمان المغربي يعيش مرحلة جديدة من التوتر السياسي، قد تكون بداية لخطاب أكثر جرأة، أو ربما مقدمة لمزيد من التناقض بين القول والفعل.
في النهاية، يبقى المواطن المغربي ينتظر أفعالًا ملموسة تعكس ما يُقال تحت قبة البرلمان، بعيدًا عن الخطب والوعود المتكررة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد التصريحات، بل بما يتحقق على أرض الواقع، في مدرسةٍ أفضل، ومستشفى أنظف، وسياسةٍ أكثر صدقًا ومسؤولية.






