Site icon الاخبار24

منتدى المدرس: بين تسويق الإنجازات وواقع الأزمة

منتدى المدرس: بين تسويق الإنجازات وواقع الأزمة

منتدى المدرس: بين تسويق الإنجازات وواقع الأزمة

احتفلت الوزارة بالمنتدى الوطني للمدرس كما تحتفل الشركات بإطلاق منتج جديد. الأضواء اشتغلت، الخطابات انطلقت، والأرقام قُدمت بثقة عالية.

المسؤولون وزعوا حوالي 1600 حاسوب، وصرفوا ميزانيات مهمة على تنظيم فعالية أرادت أن تقول إن “مدرسة الريادة” تسير في الطريق الصحيح. لكن، في الجهة الأخرى من المشهد، كان الواقع يهمس بشيء مختلف تمامًا.

تقرير “تاليس” لم يحتفل. التقرير قال بوضوح إن 70 في المئة من تلاميذ الإعدادي يجدون صعوبة في فهم لغة التدريس. هنا لا نتحدث عن تفصيل تقني، بل عن أزمة تمس جوهر العملية التعليمية.

كيف يمكن لمنظومة أن تتحدث عن الريادة، بينما أغلب تلاميذها لا يفهمون لغة الدرس؟ السؤال ليس نقدًا، بل صدمة منطقية بين خطاب رسمي متفائل وواقع ميداني مرتبك.

المنتدى اختار أن يتحدث… لكنه لم يختر أن يستمع جيدًا. غابت أسماء فكرية وأكاديمية كان يمكن أن تعمّق النقاش، وحضرت لغة إدارية تُتقن عرض الإنجازات أكثر مما تُتقن تشخيص الأعطاب.

النقاش بدا مسطحًا، أقرب إلى عرض مؤسساتي منه إلى ورشة تفكير حقيقي حول أزمة اللغة والهوية داخل المدرسة.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال الأولويات. الوزارة قررت أن تستثمر في الصورة، في الفعالية، في الإخراج الجيد للحدث. لكن المدارس في مناطق عديدة ما زالت تبحث عن أبسط شروط التعلم: أقسام لائقة، تجهيزات أساسية، بيئة تساعد التلميذ على الفهم لا على الارتباك. هنا، لا يصبح الإنفاق مجرد رقم، بل يتحول إلى خيار سياسي بين التجميل والإصلاح.

الخطاب الرسمي قدّم “مدرسة الريادة” كنموذج ناجح، لكن طريقة تقديمه كشفت شيئًا آخر: محاولة تسويق المنظومة بدل إصلاحها. المدرس ظهر كواجهة، كعنصر في حملة تواصلية، أكثر منه فاعلًا حقيقيًا في قلب الإصلاح.

وهنا يكمن الخلل، لأن أي إصلاح لا يبدأ من صورة المدرس، بل من وضعيته، من تكوينه، ومن المكانة التي يحتلها داخل المجتمع.

التعليم لا يحتاج مهرجانات، بل يحتاج شجاعة في طرح الأسئلة الصعبة. لا يحتاج منصات احتفال، بل يحتاج أقسامًا تُفهم فيها الدروس. لا يحتاج أرقامًا تُعرض، بل نتائج تُقاس في مستوى التلميذ.

المطلوب اليوم ليس منتدى جديدًا، بل حوار وطني حقيقي. حوار يعترف بالأزمة قبل أن يقترح الحل، ويضع كرامة المدرس في الواجهة، ويمنح المتعلم حقه في فهم ما يُدرّس له. ما عدا ذلك، سيبقى التعليم مشروع عرض… أكثر منه مشروع إصلاح.

Exit mobile version