معهد باستور بين الخصخصة والأمن الصحي: جدل يهدد العدالة الاجتماعية

معهد باستور بين الخصخصة والأمن الصحي: جدل يهدد العدالة الاجتماعية

حين يخرج معهد باستور المغرب من دائرة النقاش الأكاديمي إلى واجهة الجدل السياسي، فاعلم أن الأمر ليس بسيطًا. الحديث اليوم لم يعد عن لقاح ضد الكلب أو مصل للملاريا، بل عن مستقبل الأمن الصحي الوطني برمّته. والسبب؟ تلميحات حول إمكانية خصخصة هذه المؤسسة التي وُلدت سنة 1919 لتكون حصنًا منيعا ضد الأوبئة، فإذا بها اليوم مهددة بأن تتحول إلى سلعة تُعرض في سوق المضاربات.

الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة دقّت ناقوس الخطر، مؤكدة أن أي خطوة نحو نقل أنشطة المعهد أو تسليمه للقطاع الخاص ستفتح الباب أمام المتاجرة بلقاح المواطن، وستضعف حقه في التلقيح المجاني. بل أكثر من ذلك، فإن خصخصة المعهد تعني ببساطة تسليم مفاتيح الأمن الصحي للوبيات تبحث عن الأرباح، لا عن العدالة الصحية.

المفارقة أن هذا الصرح لم يكن مجرد معهد صغير على هامش المنظومة، بل كان وما زال العمود الفقري لإنتاج وتوزيع الأمصال واللقاحات في المغرب، من لقاحات الحج إلى الأمصال التي تُعطى مجانًا في المراكز الصحية العمومية. كما أن الاعتراف الذي منحه له الاتحاد الإفريقي كمركز إقليمي للتميز لم يأت من فراغ، بل من سجل طويل في مواجهة أوبئة كالسيدا وداء الكلب وجائحة كورونا.

غير أن الأسئلة المحرجة تفرض نفسها: إذا كان معهد باستور قد نجح في بناء سيادة نسبية في مجال التلقيح، فلماذا نفكر اليوم في تقويض هذا المكسب؟ وإذا كان قد صمد في الصفوف الأمامية خلال كوفيد-19، فمن المستفيد من إضعافه الآن؟

إن الخطر الحقيقي، كما يحذر الحقوقيون، لا يكمن فقط في بيع مؤسسة عمرها أكثر من قرن، بل في بيع العدالة الاجتماعية معها. لأن فتح باب الخصخصة سيعني ببساطة أن ثمن اللقاح لن تحدده حاجة المواطن، بل مزاج السوق.

قد يبدو الأمر للبعض مجرد جدل إداري، لكنه في العمق سؤال وجودي: هل نريد دولة توفر الحماية لمواطنيها أم دولة تسلّم حياتهم للمزايدات التجارية؟ الجواب واضح، لكن القرار النهائي… غامض حتى إشعار آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى