...

مشروع تنموي يتحوّل إلى رهينة سياسية بإدكوكمار إقليم تيزنيت

مشروع تنموي يتحوّل إلى رهينة سياسية بإدكوكمار إقليم تيزنيت

في عمق جبال تيزنيت، وتحت غبار الوعود الانتخابية المتكررة، يتخبّط مشروع تأهيل 16 مقطعاً طرقياً في دوامة التجاذب السياسي بدل أن يُترجم إلى واقع يمهّد الأرض أمام ساكنة عانت طويلاً من العزلة والتهميش

المشروع الذي يفترض أن يكون ثمرة شراكة بين المجلس الإقليمي والمديرية الإقليمية للفلاحة، تحوّل إلى حلبة صراع حزبي، ووجد نفسه رهينة حسابات لا تمتّ للتنمية بصلة.

في مقدمة هذه الصراعات، يطفو ملف المقطع الطرقي الحيوي الذي يربط إمزوغن بأمڭاز، والذي لا يزال ينتظر من يُخرجه من درج الانتظار السياسي نحو حقل التنفيذ العملي

في تسجيل مصوّر أثار تفاعلاً واسعاً، خرج أحمد باحماد، رئيس جماعة محلية، عن صمته، موجهاً نداءً صريحاً لرئيس المجلس الإقليمي بالإفراج عن هذا المقطع المهم.

باحماد لم يكتف بالكلام، بل استند إلى وثائق رسمية ومراسلات قانونية، وطلب تشكيل لجنة مستقلة للوقوف على حجم الخصاص، وهو الطلب الذي حظي بتأييد اللجنة المختصة بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمقطع، ووقعته أيضاً جمعيات محلية عريقة

CNSS ramadan2026 728x90 2

غير أن كل تلك التحركات لم تكن كافية لإقناع الطرف الآخر الذي يبدو أنه يرى طريق “تاكترت – إسگيوار” أكثر إغراءً سياسياً. وهنا تتعقد الصورة. إذ كيف يمكن تفسير تفضيل مقطع على آخر دون معايير تنموية واضحة؟

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

ولماذا يتحول مطلب السكان إلى ورقة مساومة انتخابية داخل مطبخ حزبي ضيق؟ هل يُعقل أن تتحكم اعتبارات الانتماء السياسي في توزيع المشاريع بدل أن يكون المعيار هو الحاجة الملحة والتوزيع العادل؟

لا أحد ينكر أن فك العزلة عن العالم القروي يشكل أولوية وطنية.

لكن ما يحدث  بإدكوكمار اليوم يعكس عكس ذلك. حين تتحول الطرق إلى جوائز سياسية، ويُصبح المشروع التنموي مشروطاً بـ”الولاء” و”الانتماء”، فمن الطبيعي أن تُطوى الملفات في الأدراج، ويُعلّق الأمل على جدران البلاغات

ومن المفارقات العجيبة أن رئيس الجماعة لا يطالب سوى بإنصاف ساكنة عاشت سنوات من التهميش. لا يطالب بمشاريع خيالية، ولا بجسر فوق وادٍ سحيق، فقط طريق يربط منطقتين بالحياة، مدرسة بالمستشفى، والناس بفرص النجاة

التنمية ليست شعاراً يردده المسؤولون في مهرجانات الخطابة، بل ممارسة يومية تبدأ من قرارات نزيهة، لا تُصنع خلف أبواب مغلقة ولا تُخضع للمساومات. ما يجري اليوم في هذا الملف هو نموذج حي على ما تفعله السياسة الرديئة بالمصلحة العامة. نموذج على كيف يمكن لمشروع بسيط أن يتحول إلى ملف شائك فقط لأنه لم يحظَ بمباركة حزبية

الأدهى من ذلك أن تأخير تنفيذ هذا المقطع لا يعود إلى مشاكل تقنية أو عجز في التمويل، بل إلى “انتقائية” مريبة في البرمجة، وفقاً لما كشفت عنه وثائق رسمية تم تداولها. اختيار مقاطع دون غيرها، وإدراج أخرى رغم محدودية أهميتها، يكشف أن الخريطة التنموية يتم رسمها بأقلام حزبية لا بخطط جهوية عادلة

في النهاية، لا يطلب أهالي إمزوغن وأمڭاز الكثير، فقط أن يتحرر الطريق من أسر السياسة، وأن تُرفع اليد الحزبية عن خريطة التنمية،

وأن يعود القرار إلى من يستحقونه فعلاً، أولئك الذين يعيشون التفاصيل اليومية للعزلة والوعورة والتهميش

ولعل أوضح ما يمكن أن نختم به هو ما قاله رئيس الجماعة في الفيديو: “لسنا ضد الطريق، لكن لسنا ضد أنفسنا أيضاً”. عبارة تختزل الحقيقة المؤلمة. فحين تصبح التنمية انتقائية، يُقصى من لا يتقن العزف على نغمة الولاءات

نعم، طريق إمزوغن – أمڭاز لا يزال ينتظر، ولكن السؤال الحقيقي: من يُعيقه؟ ولماذا؟ وهل نحتاج فعلاً إلى خرائط حزبية جديدة، أم إلى ضمير تنموي مستيقظ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى