مستشفيات في فيديوهات أنيقة وواقع يطلب الإسعاف

مستشفيات في فيديوهات أنيقة وواقع يطلب الإسعاف

في بلدٍ تُقاس فيه صحة المواطن بمدّة الانتظار أكثر مما تُقاس بنجاعة العلاج قررت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن تبدأ الإصلاح من الزاوية الأكثر لمعانًا الصورة قبل الجرح الإعلان قبل الألم والكاميرا قبل الطبيب.

طلب عروض دولي لإنتاج وسائط سمعية بصرية بميزانية ثقيلة ونيات خفيفة الهدف تحسين صورة المستشفيات العمومية وكسر الصور النمطية وكأن المشكل كان دائمًا في الزاوية التي التُقطت منها الصورة لا في السرير المهترئ ولا في الممر المكتظ ولا في الموعد الذي يأتي بعد أن يشفى المريض أو يتعب من الانتظار.

الفكرة في ظاهرها جميلة من منا لا يريد مستشفى نظيفًا في فيديو عالي الجودة وممرضًا يبتسم تحت إضاءة مدروسة وطبيبًا يتكلم بثقة أمام عدسة ذكية لكن السؤال الذي يلحّ هو بسيط ومزعج هل ستقنع الصورة مريضًا ينتظر شهورًا بأن الأمور بخير أم ستقنعه فقط بأن الإخراج متقن.

الوزارة تراهن على التواصل الحديث الذكاء الاصطناعي الملصقات المنتشرة في المدن الكبرى مليون مشاهدة وربما أكثر وكأن الثقة تُشترى بالمشاهدات وكأن تجربة المريض يمكن اختصارها في إعلان دافئ الموسيقى فيه هادئة والكلمات مطمئنة بينما الواقع يصرخ بصوت أعلى من أي تعليق صوتي.

الملف الأكثر حساسية في هذه الصفقة هو الصحة النفسية وهنا تصبح المفارقة أعمق الحديث عن كسر الوصم الاجتماعي ضروري نعم فتح النقاش مهم بلا شك لكن ماذا لو نجح النقاش وفشل الاستقبال ماذا لو شُجّع الناس على الكلام ولم يجدوا من يسمعهم ماذا لو صار الوعي أكبر من الطاقة الاستيعابية هل نحتفل بالوعي أم نعتذر عنه.

التواصل في حد ذاته ليس خطيئة بل قد يكون ضرورة لكن حين يسبق الإصلاح يصبح مثل طلاء جدار متصدع يلمع من بعيد ويخون من يقترب أكثر المشكلة ليست في أن نروي قصة جميلة عن الصحة المشكلة في أن تصبح القصة أجمل من الحقيقة

الخطر الحقيقي ليس في صرف المال على الصورة بل في الفجوة بين ما يُعرض وما يُعاش لأن المواطن حين يكتشف أن الإعلان كان أكرم من الواقع لا يغضب فقط بل يفقد الثقة وحين تضيع الثقة لا تنفع ألف حملة ولا مليون مشاهدة.

الصحة لا تحتاج إلى فلتر تحتاج إلى نفس طويل تحتاج إلى طبيب حاضر وممرض غير منهك وموعد لا يُعامل كحلم بعيد التواصل يجب أن يأتي بعد الإصلاح لا قبله مكمّلًا له لا ساترًا عليه لأن الكاميرا مهما كانت ذكية لا تستطيع أن تعالج ما لم يُعالج أصلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى