مجلس المنافسة يحقق في سوق العطور الفاخرة وشبهات احتكار التوزيع
قرر مجلس المنافسة فتح تحقيق في سوق مستحضرات التجميل والعطور الفاخرة، في خطوة أعادت النقاش حول طبيعة المنافسة داخل قطاع يبدو أن العطور فيه لا تُباع فقط بروائح فاخرة، بل أيضًا بشروط معقدة واتفاقيات حصرية تجعل الوصول إلى السوق أقرب إلى عبور بوابة إلكترونية لا تفتح إلا لمن يحمل “كلمة السر التجارية”.
التحقيق جاء بناءً على إحالة من شركة تنشط في القطاع، تحدثت عن ممارسات يُشتبه في مخالفتها لقواعد المنافسة. ملف يبدو في ظاهره تقنيًا، لكنه في العمق يكشف طبيعة سوق مغلق نسبيًا، تُرسم حدوده ليس فقط بالعرض والطلب، بل أيضًا بشبكات النفوذ التجاري والعلاقات التعاقدية الحصرية.
المجلس أوضح أن سوق العطور ومستحضرات التجميل الفاخرة يتميز بتنظيم هيكلي خاص، حيث يخضع الولوج إلى شبكة البيع بالتقسيط لمعايير صارمة تتعلق بالموقع التجاري وجودة الخدمة والعرض. وهي معايير تبدو، على الورق، جزءًا من الحفاظ على صورة العلامات الفاخرة، لكنها في التطبيق قد تتحول إلى جدار يمنع دخول فاعلين جدد لا يملكون “العنوان المناسب” أو “الواجهة اللامعة” المطلوبة.
وفي قلب هذا المشهد، برزت الاتفاقيات الحصرية بين الموردين والموزعين، التي تمنح بعض الفاعلين حق توزيع علامات معينة بشكل شبه مغلق. وهنا تبدأ السخرية الاقتصادية بهدوء: سوق يتحدث عن التنافس، لكنه يشتغل أحيانًا بمنطق “الصالون الخاص”، حيث المقاعد محدودة والدخول بدعوة فقط.
المعطيات الأولية التي جمعها المجلس كشفت مخاوف مرتبطة بوجود تمييز تجاري، من خلال تطبيق شروط مختلفة بين تجار التجزئة، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إنهاء العلاقات التعاقدية بشكل يثير علامات الاستفهام. كما سُجلت مؤشرات حول احتمال وجود ممارسات تهدف إلى تقييد السوق أو احتكار منتجات استراتيجية داخل القطاع.
اللافت أن الشركات المعنية لم تنتظر الوصول إلى مراحل أكثر تعقيدًا من التحقيق، بل سارعت إلى طلب الاستفادة من مسطرة التعهدات، في ما يشبه محاولة “تعطير” الأجواء قبل أن تتحول القضية إلى مواجهة قانونية ثقيلة.
هذه التعهدات تضمنت جملة من الإجراءات، من بينها ضمان معاملة متساوية لتجار التجزئة المستقلين، وفصل بعض الأنشطة التجارية، ووضع ضوابط تمنع تبادل المعلومات التجارية الحساسة بين الفاعلين. كما شملت التزامات واضحة تتعلق بشروط الولوج إلى شبكات التوزيع، حتى لا يتحول السوق إلى نادٍ مغلق لا يدخله سوى المحظوظين.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت الانتباه، تعهد الشركات بمنع أي ممارسات تربط الحصول على منتجات استراتيجية بشراء منتجات أخرى، وهي ممارسة يعتبرها متابعون من أكثر الأساليب التي تُستخدم لإعادة توجيه السوق بطريقة غير مباشرة. بمعنى آخر: إذا أردت العطر المطلوب، فعليك أولًا أن تقتني ما لا تحتاجه.
مجلس المنافسة نشر هذه التعهدات وفتح الباب أمام الأطراف المعنية لتقديم ملاحظاتها خلال الفترة الممتدة بين 8 و30 يونيو 2026، قبل اتخاذ القرار النهائي الذي قد يمنح لهذه الالتزامات طابعًا إلزاميًا.
في النهاية، يكشف هذا التحقيق أن سوق العطور الفاخرة ليس مجرد رفوف أنيقة وزجاجات براقة، بل فضاء اقتصادي معقد، تختلط فيه المنافسة بالمصالح، والتوزيع بالنفوذ. وبين الرغبة في حماية العلامات التجارية وضرورة ضمان تكافؤ الفرص، يبقى السؤال المطروح: هل كانت السوق فعلًا مفتوحة، أم أنها فقط كانت تبدو كذلك تحت أضواء الواجهات اللامعة؟

