لمحافظة العقارية بلا حارس: صمت في القمة وعبث في القاعدة

لمحافظة العقارية بلا حارس: صمت في القمة وعبث في القاعدة

في بلد يُفترض أن تكون فيه الملكية العقارية خطًا أحمر، تعيش الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية واحدة من أكثر لحظاتها عبثية. عبث لا يحتاج إلى خيال سياسي خصب، بل إلى متابعة يومية لواقعٍ يُدار بمنطق: «كل شيء على ما يرام… ما دامت العاصفة تمرّ بصمت».

القصة معروفة، لكنها تستحق إعادة السرد بسخرية تليق بحجم المفارقة. مدير مديرية يُحال على القضاء بتهم ثقيلة تتعلق بتزوير محرر رسمي واستعماله عن علم، في ملف يتحدث عن نقل ملكية عقار من أسماء متوفين إلى رجل أعمال.

تهم لو وُجّهت إلى موظف بسيط لوجد نفسه خارج المكتب قبل أن يجفّ حبر المحضر. أما هنا، فالأمر مختلف: المتابعة القضائية تمضي، والعمل الإداري يستمر، وكأن القضاء مجرد نشاط موازٍ لا علاقة له بالوظيفة.

وسط هذا المشهد، يبرز اسم كريم التجمعتي، المدير العام، بوصفه بطل الصمت الإداري. صمتٌ يُقدَّم، على ما يبدو، كخيار استراتيجي في الحكامة: لا تعليق، لا إجراء احترازي، لا إشارة رمزية على أن المؤسسة تأخذ سمعتها على محمل الجد. في قاموس هذا التدبير، يبدو أن «ربط المسؤولية بالمحاسبة» شعارٌ جميل يصلح للندوات، لا للمكاتب.

المهنيون والنقابيون يتحدثون عن تراجع في أسلوب التدبير، وعن انتشار اللامبالاة داخل جهاز حساس. لكن الإدارة، على ما يبدو، اختارت فلسفة أكثر عمقًا: ترك الأمور حتى يملّ الرأي العام، أو حتى تتحول القضايا الثقيلة إلى تفاصيل عابرة في زحمة الأخبار. فحين يصبح خرق القانون مجرد خبر عابر، تتحول الحكامة إلى تمرين في إدارة التجاهل.

السخرية هنا ليست في التهم وحدها، بل في الرسالة التي تُبعث إلى المواطن. رسالة تقول: يمكنك أن تثق في مؤسسة تُدبّر الملكيات، حتى وإن كان أحد كبار مسؤوليها يُتابَع بتهم تمسّ جوهر عملها. الثقة، في هذا النموذج، لا تُبنى بالإجراءات، بل بالأمل… أو بالتعوّد.

الأخطر أن هذا العبث لا يبقى حبيس المكاتب. إنه يضرب في عمق الأمن العقاري، ويهزّ ثقة المستثمر، ويبعث قلقًا اجتماعيًا مشروعًا: إذا كانت الوثائق الرسمية نفسها قابلة للتلاعب، فمن يحمي الملكية؟ وإذا كان رأس الجهاز يفضّل الصمت، فمن يضمن أن القانون يُطبَّق على الجميع؟

القضية اليوم لم تعد قضية مدير متابع قضائيًا، بل قضية إدارة تختبر حدود الصبر العام. مسؤولية المدير العام هنا ليست قانونية فقط، بل أخلاقية ومؤسساتية.

فحماية سمعة جهاز بهذا الحجم لا تتحقق بالتغاضي، بل بإشارات واضحة تقول إن المؤسسة فوق الأشخاص، وإن الثقة لا تُدار بسياسة «دع الأمور تمرّ».

ويبقى السؤال الساخر، الجاد في آن: ما جدوى الحديث عن أمن عقاري، إذا كانت أعلى هياكله تُدار بمنطق الانتظار؟ انتظار ماذا؟ حكم قضائي؟ نسيان جماعي؟ أم أن الصمت، في هذه الحالة، أصبح سياسة عمومية غير معلنة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى