لماذا يبدو المشهد السياسي في المغرب أقرب للسخرية؟

لماذا يبدو المشهد السياسي في المغرب أقرب للسخرية؟

يبدو أنّ السياسة عندنا فقدت آخر ذرات الجدية، وصارت تشبه مسلسلًا طويلاً بلا حبكة، حيث الأبطال ينسون النص، والكومبارس يحاولون لعب البطولة، والجمهور… هرب منذ الموسم الأول.

نبدأ من المشهد الأكثر إثارة للشفقة: غيبوبة المعارضة. ليست غيبوبة طبيعية، بل غيبوبة “مُدارة”، كأن أحدهم ضغط زرّ sleep وتركها هناك، وسط الضباب. معارضة لا تُعارض، بل تُستدعى فقط لتكميل الشكل، لتبدو القاعة جميلة في الصورة الرسمية. الدور الوحيد المتاح لها هو: التصفيق عند اللزوم، والاختفاء عند اللزوم أكثر.

ثم ننتقل إلى الأحزاب السياسية… يا حسرة! أحزاب بلا مشاريع، بلا نفس، وبلا حتى قدرة على إقناع المناضلين القدامى بأن السياسة ما زالت موجودة. الخلافات الداخلية تأكل الجميع، والقيادات تتبادل الاتهامات وكأنها في مباراة تنشيطية، بينما الشارع يكتفي بمشاهدة المشهد من بعيد ويقول: “واش هادو فعلا أحزاب؟”.

أما التحالف الثلاثي، فقد تحوّل من تحالف إلى “سوبر تحالف”، ومن أغلبية إلى قوة مهيمنة تحت شعار: “كل ما تقوم به الحكومة هو إنجاز وطني، وكل نقاش هو تبخيس”. الأغلبية هنا ليست وسيلة للحكم، بل عصا سحرية لإعادة تشكيل القواعد بما يلائم المزاج السياسي للقيادة، ولو اقتضى الأمر دهس المنطق في الطريق.

ونصل إلى البرلمان… تلك المؤسسة التي كان يُفترض أن تكون الصوت الأعلى. اليوم صار البرلمان مثل مقهى قديم أغلق نصف نوافذه، وترك نصف أعضائه منشغلين بمشاكل قضائية وقانونية، لدرجة أصبح معها “الاستقلال في القرار” مجرد نكتة تُحكى في الكواليس.

في وسط هذا الركام السياسي، يظهر العرّاب. الشخصية التي تملأ الفراغ، وترتب المشهد بما يجعله مستقرًا… أو على الأقل يبدو كذلك. معارضة غائبة، برلمان مخنوق، إعلام منزوع الأسنان، فالمكان مثالي لظهور “الرجل الذي لا يُناقَش”. إنه الحارس الرسمي للوضع الحالي، والضامن لعدم خروج السيناريو عن النص.

وفي مستوى آخر، نجد الجماعات الترابية التي كان يفترض أن تكون مختبر الديمقراطية. لكنها تحولت إلى مصانع لإعادة تدوير الفساد نفسه، بنفس الوجوه، ونفس الولاءات، ونفس الصفقات التي يعرفها الجميع ولا يعترف بها أحد. التنمية؟ مجرد كلمة جميلة تُستخدم في الحملات الانتخابية وتُدفن بعدها في أدراج المكاتب.

ومع كل هذه اللقطات، لا عجب أن تتحول “حكومة الكفاءات” إلى حكومة السيطرة الشاملة. حكومة تُمسك بكل الخيوط، لكنها لا تقدم إلا المزيد من الهشاشة السياسية. الثقة تتآكل مثل جدار قديم تحت المطر، والمشهد السياسي يبدو كأنه يسير بإصرار نحو الهاوية لكن بخطوات محسوبة.

أما الخطر الحقيقي، فهو هذا الفراغ السياسي المخيف: حكومة متضخمة، معارضة متلاشية، فساد محلي يتكاثر، وفجوة عميقة تتسع بين المجتمع والسياسة. إنها وصفة جاهزة لبلد يعيش بلا بوصلة، وبلا أفق حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى