...

لبنى طريشة تحت المجهر: أزمة التكوين المهني بالمغرب وأسئلة النتائج

لبنى طريشة تحت المجهر: أزمة التكوين المهني بالمغرب وأسئلة النتائج

في كل مرة يُفتح فيها ملف التشغيل في المغرب، يعود اسم التكوين المهني إلى الواجهة باعتباره “الحل السحري” الذي سيُخرج الشباب من دائرة البطالة ويزود الاقتصاد بالكفاءات التي يحتاجها.

غير أن هذا الخطاب اللامع يصطدم بواقع أقل بريقًا، واقع قطاع يعيش بين مشاريع كبرى معلنة ونتائج يصعب على المواطن لمسها في حياته اليومية.

في قلب هذه المعادلة تقف لبنى طريشة، المديرة العامة لـ مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، المؤسسة التي يفترض أن تكون العمود الفقري لمنظومة التأهيل المهني في المغرب.

فالمكتب يدير شبكة واسعة من المعاهد والبرامج، ويشرف على ميزانيات كبيرة، ويُقدَّم رسميًا باعتباره المحرك الرئيسي لإعداد اليد العاملة المؤهلة.

لكن المفارقة التي يتوقف عندها كثير من المتابعين بسيطة ومحرجة في آن واحد:

CNSS ramadan2026 728x90 2

الدولة تستثمر مليارات الدراهم في التكوين المهني، بينما تشتكي شركات عديدة من نقص الكفاءات المحلية. وبين الطرفين يقف المكتب، كوسيط ضخم بين التكوين والتشغيل… دون أن ينجح دائمًا في ربط الاثنين بشكل فعلي.

الحديث عن “مدن المهن والكفاءات”، التي قُدمت كرمز لتحديث القطاع، كان يفترض أن يشكل نقطة تحول حقيقية. غير أن تعثر بعض المشاريع، والبطء في ترجمة هذه المبادرات إلى فرص تشغيل ملموسة، جعل الحماس الأولي يتحول تدريجيًا إلى تساؤلات أكثر واقعية.

وهنا تبدأ السخرية السياسية الهادئة في الظهور.

ففي العروض الرسمية يبدو القطاع وكأنه يعيش ثورة مؤسساتية: مشاريع ضخمة، منشآت حديثة، أرقام استثمارية لافتة. لكن حين يسأل شاب متخرج سؤالًا بسيطًا—“أين العمل؟”—يكتشف أن الطريق بين قاعة التكوين وسوق الشغل أطول بكثير مما تقوله الكتيبات الرسمية.

المشكلة، كما يراها عدد من المراقبين، ليست فقط في حجم الاستثمار، بل في طبيعة المقاربة. فالتكوين المهني لا يُقاس بعدد المعاهد أو البرامج، بل بمدى قدرته على التكيف مع التحولات الاقتصادية الفعلية.

وإذا بقيت البرامج بعيدة عن احتياجات المقاولات، فإن أفضل المعاهد ستظل مجرد قاعات أنيقة لتدريس مهارات لا يطلبها السوق.

وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول الحكامة داخل القطاع. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون مختبرًا لتأهيل الشباب تبدو أحيانًا منشغلة أكثر بإدارة التوسع المؤسساتي من معالجة الفجوة الحقيقية بين التكوين والتشغيل.

لبنى طريشة، بحكم موقعها على رأس هذه المؤسسة الضخمة، تجد نفسها في موقع حساس: بين خطاب رسمي يعد بتحويل التكوين المهني إلى قاطرة للتنمية، وبين واقع اقتصادي يفرض نتائج ملموسة لا مجرد خطط واستراتيجيات.

في النهاية، لا يحتاج الشباب المغربي إلى مزيد من الشعارات حول التكوين. ما يحتاجه هو معادلة بسيطة: تكوين جيد… يؤدي إلى عمل حقيقي.

أما إذا استمر التكوين منفصلًا عن التشغيل، فإن القطاع سيظل يدور في حلقة مألوفة في السياسة العمومية المغربية: مشاريع كبيرة، خطابات أكبر… ونتائج تبحث عن مكانها في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى