كان 2025.. فرصة سياحية ضاعت ووزارة السياحة خارج التغطية
في العادة، حين تستضيف دولة بحجم المغرب تظاهرة قارية من وزن كأس إفريقيا للأمم، لا يُنظر إلى الحدث فقط باعتباره منافسة كروية، بل باعتباره لحظة ذهبية لإعادة تقديم البلد للعالم: صورة، هوية، تجربة، وسردية سياحية متكاملة. غير أن ما جرى هذه المرة كشف مفارقة صادمة: الملاعب امتلأت، المدرجات اهتزت، والكاميرات اشتغلت… بينما ظلت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني غائبة، كأن الحدث لا يعنيها، أو كأن السياحة شأن ثانوي في بلد يراهن عليها كقاطرة اقتصادية.
منذ الإعلان عن استضافة النهائيات، كان المنتظر تعبئة استثنائية، لا حملات عابرة ولا شعارات معلبة. كان المطلوب رؤية، نفس تسويقي، حضور في الفضاءات المكتظة بالجماهير الإفريقية، عروض تربط المباراة بالمدينة، والمدينة بالتجربة، والتجربة بالعودة. لكن ما وقع هو العكس تمامًا: صمت مؤسساتي، فراغ مهني غير مفهوم، ووزارة اختارت الجلوس في المدرج بدل النزول إلى أرض التسويق.
المثير للسخرية، أن هذا الغياب يأتي في وقت تقوده وزيرة قادمة من عالم التسويق. المفترض أن تكون اللحظة لحظة سردية كبرى، تُحكى فيها المغربيات المتعددة: ثقافة، مطبخ، حرف، مدن، وهوامش.
بدل ذلك، تُركت المدن المستضيفة بلا أي عروض مهيكلة، وبلا أي مبادرات تستهدف آلاف المشجعين القادمين من القارة. لا مسارات سياحية، لا باقات، لا حضور رمزي حتى في محيط الملاعب. وكأن الحدث مرّ من فوق الوزارة، لا من داخلها.
المقارنة هنا قاسية، لكنها ضرورية. دول إفريقية أخرى، بموارد أقل، حولت التظاهرات الرياضية إلى منصات تسويق ذكية: جنوب إفريقيا، السنغال، رواندا. هناك، لا يُترك المشجع يعود كما جاء. هنا، عاد كثيرون دون أن يعرفوا ماذا رأوا خارج التسعين دقيقة.
الوزارة، في المقابل، تواصل الاحتماء بلغة الأرقام: عدد الوافدين ارتفع، ليالي المبيت تحسنت، المؤشرات إيجابية. لكن الأرقام، حين تُفصل عن القيمة المضافة، تتحول إلى زينة بلاغية. فالنجاح السياحي لا يُقاس بعدد الداخلين فقط، بل بما تركوه، بما عادوا من أجله، وبما تحوّل إلى دورة اقتصادية محلية حقيقية.
كان “الكان” اختبارًا عمليًا لقدرة السياسة السياحية على الانتقال من منطق التعداد إلى منطق المعنى. اختبارًا فشلت فيه الوزارة، ليس لغياب الإمكانيات، بل لغياب الجرأة والتصور. وإذا كانت مناسبة بهذا الحجم لم تُستثمر، فالسؤال الذي يطرحه المهنيون اليوم ليس استفزازيًا، بل مشروعًا: عن أي رؤية سياحية نتحدث؟ وعن أي مستقبل نراهن؟
كأس إفريقيا مرّ. الفرصة ضاعت. والسياحة، مرة أخرى، تُدار بمنطق المتفرج لا بمنطق اللاعب.
