قيوح يعترف بالفشل… والطرق تواصل عدّ الضحايا
يبدو أن وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح قرر أخيرًا أن ينظر من نافذة مكتبه نحو الطرقات. ما رآه لم يكن ازدحامًا ولا حفرًا فقط، بل حصيلة ثقيلة من الأرواح. فجأة، اكتشف الوزير أن السلامة الطرقية في وضع “خطير ودقيق”، وكأن الضحايا كانوا يموتون سرًّا، بعيدًا عن الإحصائيات والخطب والاستراتيجيات التي رافقتنا لعقد كامل.
الاعتراف بالفشل جاء متأخرًا، لكنه جاء أنيقًا. قيوح لم يقل: أخطأنا، بل قال: فشلنا. صيغة جماعية مريحة، بلا أسماء، بلا توقيعات، وبلا استقالات. فحين ترتفع نسبة القتلى بـ25.7 في المائة خلال أقل من سنة، لا نكون أمام خلل عابر، بل أمام سياسة عمومية قررت أن تتعلم القيادة بعد وقوع الحوادث.
الوزير تحدث عن عشر سنوات من الاستراتيجيات التي لم تُثمر سوى المزيد من الدم. عشر سنوات من العناوين اللامعة، واللجان، والملصقات التحسيسية، والنتيجة واحدة: الطرق أسرع من القرارات، والحوادث أكثر انتظامًا من الاجتماعات. هنا، لا يعود السؤال: ماذا فعلت الوزارة؟ بل: ماذا كانت تفعل طوال هذا الوقت؟
ثم جاءت المعجزة الجديدة: استراتيجية 2026-2030. نعم، استراتيجية أخرى، لأن الحل، كما يبدو، ليس في إنقاذ الأرواح الآن، بل في الوعد بإنقاذها لاحقًا. كل فشل عندنا يُعالج بورقة طريق جديدة، وكل ضحية تُدفن مع أمل مؤجل. الزمن، في الخطاب الرسمي، هو الدواء السحري لكل الإخفاقات.
الأكثر إثارة للسخرية هو الاعتراف بنقص الحكامة. المؤسسات موجودة، الموارد متوفرة، لكن التدبير سيئ. اعتراف ثقيل، لأنه يعني ببساطة أن المشكلة ليست في الطريق ولا في السائق فقط، بل في من يمسك بالمقود السياسي. ومع ذلك، لا أحد ينزل من الحافلة. الجميع يعترف، والجميع يستمر.
قيوح دعا إلى تعبئة شاملة. عبارة جميلة، لكنها مستهلكة حدّ فقدان المعنى. فقد تعبأنا كثيرًا، ودفنا كثيرًا، وانتظرنا كثيرًا. ما لم يدعُ إليه الوزير هو المحاسبة: من فشل؟ من قرر؟ من أخطأ؟ لأن التعبئة بدون محاسبة ليست إلا إعادة ترتيب للكلمات فوق قبور جديدة.
في النهاية، لا يحتاج المغاربة إلى وزير يكتشف الكارثة بعد وقوعها، ولا إلى استراتيجية تُكتب بعد كل موجة موت. ما يحتاجونه أبسط من ذلك بكثير: سياسة تحميهم قبل أن تعتذر لهم، ومسؤولين يغادرون حين يفشلون، لا حين تنتهي ولاياتهم. أما السخرية الحقيقية، فهي أن الطريق ما زالت مفتوحة… والحكومة ما زالت تخطط.
