...

قيس سعيّد.. ثورة على الثورة أم رئيس يبحث عن شعب جديد؟

قيس سعيّد.. ثورة على الثورة أم رئيس يبحث عن شعب جديد؟

في تونس، مرّت خمسة عشر سنة على سقوط زين العابدين بن علي، لكن المفارقة أن ذكرى الثورة لم تتحول إلى احتفال بقدر ما تحولت إلى لحظة مراجعة قاسية لمسار بلد ظن أنه غادر زمن الحكم الفردي.

المشهد اليوم يبدو أقرب إلى حلقة سياسية طويلة، تتغير فيها الشعارات بينما تبقى السلطة تميل دائماً إلى مركز واحد.

الرئيس قيس سعيّد دخل قصر قرطاج بشعار إعادة السلطة للشعب، لكنه سرعان ما اكتشف أن الطريق الأقصر إلى “حكم الشعب” هو أن يتحدث باسمه وحده.

هكذا تحولت الثورة التي أطاحت بنظام استبدادي إلى تجربة سياسية غريبة: رئيس يكرر كلمة “الشعب” في كل خطاب، بينما تضيق المساحة أمام من يريد أن يتحدث باسم ذلك الشعب.

اللافت أن خطاب سعيّد يقوم على فكرة واحدة ثابتة: البلاد كانت ضحية مؤامرة سياسية طويلة، وهو وحده القادر على تصحيح المسار. وباسم هذا التصحيح، تحولت السياسة في تونس إلى درس طويل في اللغة الدستورية، يلقيه أستاذ القانون الدستوري على شعب يبدو أنه لم يعد يعرف إن كان يعيش تجربة ديمقراطية أم حصة أكاديمية مفتوحة.

CNSS ramadan2026 728x90 2

في زمن بن علي كان النظام واضحاً على الأقل في منطقه: دولة أمنية تحكم بقبضة صلبة وتبرر ذلك بالاستقرار. أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيداً. السلطة تتحدث بلغة الثورة، لكنها تمارس السياسة بعقلية الدولة الحارسة التي تخاف من كل صوت معارض.

الفارق الوحيد أن الديكتاتورية القديمة كانت تعلن نفسها بلا حرج، بينما النسخة الجديدة ترتدي بدلة لغوية أنيقة مليئة بمفردات الشعب والسيادة الوطنية. وفي كل مرة يرتفع صوت معارض، يظهر تفسير جاهز: مؤامرة جديدة، أو فاسد قديم، أو عميل لقوى خارجية.

حتى السياسة الخارجية لم تسلم من هذا الأسلوب. فالرئيس الذي يعلن التحرر من “الهيمنة الغربية” وجد نفسه يعيد رسم علاقات تونس الإقليمية بطريقة أربكت دبلوماسية البلد التقليدية. قرارات مفاجئة ومواقف حادة جعلت تونس تبدو أحياناً وكأنها تجرب سياسة خارجية على طريقة التجريب السياسي الداخلي.

المفارقة الأكبر أن سعيّد لا يملك حزباً سياسياً ولا جهازاً سياسياً تقليدياً يدعمه، لكنه يدير دولة كاملة. وهذا ما جعل الحكم يبدو وكأنه تجربة سياسية فردية: رئيس في مواجهة طبقة سياسية منهكة، وشعب ينتظر أن يرى إن كانت هذه المغامرة ستنتهي بإصلاح حقيقي أم بفصل جديد من الفوضى السياسية.

أما الفساد، الذي رفع سعيّد لواء محاربته، فقد تحول إلى شعار دائم في خطاباته. المشكلة أن الحرب على الفساد في تونس أصبحت تشبه حرباً بلا جبهة واضحة: كثير من الاتهامات، كثير من الملفات، وقليل من النتائج التي تغير فعلاً حياة التونسيين.

وهكذا تبدو تونس اليوم في وضع سياسي فريد: ثورة لم تنتهِ تماماً، ونظام قديم لم يعد موجوداً، ورئيس يقف في المنتصف يعلن أنه يمثل الشعب بينما يحاول في الوقت نفسه إعادة تعريفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى