في حضرة السعدي: النجاح لا يحتاج اجتهادًا بقدر ما يحتاج قُربًا

في حضرة السعدي: النجاح لا يحتاج اجتهادًا بقدر ما يحتاج قُربًا

مرة أخرى، تعود مباريات الوظيفة العمومية لتتصدر واجهة الجدل، لا بسبب كثرة الكفاءات أو ندرة المناصب، بل لأن الصدفة – ذات الحظ السعيد دائمًا – ابتسمت مجددًا لوجوه مألوفة في محيط السياسة.

فقد كشفت اللائحة النهائية للناجحين في مباراة توظيف متصرفين من الدرجة الثانية، تخصص “المنازعات، المهن القانونية والقضائية، وقانون الأعمال”، دورة 21 شتنبر 2025، التي نظمتها كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، عن اسم هند جوادي ضمن الناجحين، وهي القريبة من كاتب الدولة لحسن السعدي، وعضو نشيط في شبيبة حزب التجمع الوطني للأحرار.

ومثلما جرت العادة، لم يحتج الشارع الرقمي إلى كثير من الوقت ليطرح السؤال التقليدي الذي بات محفوظًا عن ظهر قلب:
هل نجحت الكفاءة هذه المرة فعلًا، أم أن “الحظ الحزبي” كان أكثر اجتهادًا من باقي المترشحين؟

حسب معطيات متداولة، فإن المعنية بالأمر تُعد من الوجوه الحاضرة بقوة في أنشطة الحزب بسوس منذ سنوات، وتظهر في مختلف التظاهرات التنظيمية، كما أنها ظهرت في صور تجمعها برئيس الحزب ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، إلى جانب عدد من قيادات “الحمامة”. صور تزين الرفوف الرقمية، وتؤثث اليوم خلفية جدل يطرق من جديد باب تكافؤ الفرص.

اللافت أن هذه “الصدفة السعيدة” لم تأتِ وحدها، بل سبقتها واقعة نجاح مهدي يسف، القيادي بشبيبة الحزب بأزمور والمقرب بدوره من لحسن السعدي، في مباراة مماثلة بالقطاع نفسه قبل أشهر قليلة. وهنا، لم يعد الجدل يسأل عن حالة معزولة، بل عن سلسلة نجاحات محاطة برائحة السياسة أكثر مما هي مغموسة في عرق التباري.

ولأن الذاكرة المغربية لا تنسى بسرعة، فقد أعادت هذه الواقعة إلى الأذهان الجدل الذي رافق نجاح منسق محلي لحزب الأصالة والمعاصرة في مباراة بوزارة الإسكان، مباشرة بعد انتخابه منسقًا محليًا بإحدى الجماعات التابعة لجهة مراكش–آسفي. نجاحات تتكرر، والتوقيت دائمًا “مناسب”، وكأن مباريات الوظيفة العمومية صارت هي الأخرى تواكب الأجندات التنظيمية للأحزاب.

في المقابل، لم يمر هذا التطور دون ردود فعل، إذ عبّرت فعاليات حقوقية وجمعوية عن استنكارها لما وصفته بـالعبث الصامت بمبدأ تكافؤ الفرص، ودعت إلى وقف “حفلات النجاح الانتقائي”، وإلى إعادة الاعتبار لمباريات يفترض فيها أن تكون ساحة للتنافس النزيه لا منصة لتزكية القرب السياسي.

كما ينتظر الرأي العام توضيحًا رسميًا من كاتب الدولة لحسن السعدي، على غرار التوضيح الذي سبق أن قدمه بخصوص ملف شهادة الماستر، حين نفى حصوله على أي شهادة جامعية من جامعة ابن زهر. غير أن السؤال هذه المرة لا يهم الشهادات فقط، بل معايير النجاح ذاتها.

وبين صمت رسمي، وجدال شعبي، ومباريات تتحول في نظر كثيرين إلى “قرعة حزبية مقنّعة”، يبقى مبدأ تكافؤ الفرص معلقًا بين نصوص قانونية جميلة، وواقع يزداد سخرية كلما أعلنت لائحة جديدة للناجحين.

Exit mobile version