دار البريهي تحت المجهر
عندما تخرج إعلامية معروفة برسالة حارقة إلى رئيس القطب العمومي، وتبدأها بعبارة لم يعد لنا بعد الله سوى صاحب الجلالة، فاعلم أن الأمور خرجت عن السيطرة، وأن فنجان دار البريهي فاض ولم يعد يتحمل كذبة الشفافية.
مريم القصيري، صاحبة شركة “سدر برود”، قررت كسر الصمت. لا بكاء ولا تملق، فقط وقائع صادمة عن مسار مشروع وثائقي أمازيغي، تم قبوله في مداولات رسمية ثم اختفى فجأة ليظهر مشروع آخر بعنوان مسروق من رواية أدبية، تقول القصيري إنه قفز على الترتيب، مستفيدًا من تدخلات خفية تعبث بما تبقى من مصداقية.
من الانتقاء إلى الانتقام
القصيري لم تذهب بعيدًا لتتهم، هي فقط طالبت بلقاء الرئيس المدير العام فيصل العرايشي، كي تشرح له الكواليس، لكنه، كعادته، اختار وضع السماعات والانغماس في حياد سلبي، وكأن الأمر يتعلق بشكاية بشأن فقدان مظلة لا مشروع إنتاج وطني تُنهب فيه الأموال العمومية لصالح ثلاث شركات تقتات على فتات الإبداع وتهضم حق الكفاءات الشابة.
ثلاث شركات وميزانيات بلا سقف
الرقم فظيع والوقائع أغرب من الخيال. تقول الرسالة إن ثلاث شركات فقط تهيمن على “كعكة” الإنتاج، تنال بين مليار ونصف إلى ثلاثة ملايير سنتيم سنويًا من أموال دافعي الضرائب، مقابل مسلسلات وسهرات وبرامج لا تثير سوى الشفقة على مستوى الجودة. والأغرب أن بعض هذه العقود تُمدد لعشر سنوات وأكثر، وكأننا في مزرعة خاصة لا قناة وطنية.
احتكار بمباركة الصمت
السخرية ليست في عدد المشاريع الممنوحة، بل في طريقة تبرير الإقصاء. القصيري قدمت أربعين مشروعًا منذ 2013، ولم تُقبل سوى مرة واحدة في 2024، وكانت المفاجأة أن نفس العمل نال جائزة من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، لتطرح سؤالًا منطقيًا: من يحدد معايير الجودة؟ ولماذا تُقبر المشاريع الجادة في لجان الانتقاء بينما تمرّ نظيرتها المحظوظة حتى قبل أن يجف الحبر من أوراق مداولات اللجنة؟
فضيحة التسريبات: اللائحة قبل النقاش
ما فجر الغضب أكثر هو تسريب لائحة المشاريع المقبولة قبل انتهاء عمل اللجنة. نعم، التسريبات سبقت القرار الرسمي. وهنا لم يعد الأمر مجرد تلاعب داخلي، بل فضيحة قانونية تستوجب مساءلة قضائية، لأن التلاعب في أموال عمومية ليس رأيًا شخصيًا، بل جرم يعاقب عليه القانون.
دار البريهي.. قلعة أم مرتع للصفقات؟
الرسالة تكشف عن دار البريهي بصورة مؤسسة فقدت روح الخدمة العمومية وتحولت إلى سوق مقاولات بالتزكية. مؤسسة يُقصى منها الكفاءات، وتُغلق في وجهها الأبواب، بينما يفتح المجال لنفس الأسماء، بنفس الوجوه، بنفس الرداءة.
رسالة القصيري صرخة باسم المئات
حين تقول القصيري إن سياسة الحيف والحكرة تسببت في إغلاق شركات صغيرة وتشريد مئات العاملين، فهي لا تبالغ. إنها تتحدث بلسان كل من أُحبط مشروعه لأنه لا يعرف الطريق إلى “الصالونات الخلفية” لدار البريهي.

