
فضيحة صامتة داخل وزارة الشباب.. صفقات رقمية بلا أثر
في زمن يفترض فيه أن تكون الرقمنة وسيلة لتقليص الفجوة بين الشباب والدولة، قرر وزير الثقافة والشباب والتواصل المهدي بنسعيد أن يسبق الجميع بخطوة. لكنه للأسف، لم يسبقهم نحو المستقبل بل نحو “ترف إداري” يلتهم المال العام دون أثر يُذكر.
القصة بدأت عندما صُرف مبلغ ضخم لإعداد مجرد “خطة” رقمية لدور الشباب، خطة لا أحد يعرف ملامحها، ولم يرها أحد من الفاعلين المحليين أو حتى المستفيدين المفترضين. 300 مليون سنتيم راحت فقط على رسم الخرائط، أما التنفيذ فمؤجل إلى إشعار آخر.
حين تُصرف الملايين على “عروض باوربوينت”
الوزارة فتحت صفقة ضخمة في أبريل الماضي ووزعتها على أربع شركات، إحداها تُدعى BROME. شركة بالكاد يُعثر لها على أثر في سجل المقاولات، ولا يُعرف لها باع في الميدان. وبينما أعدت هذه الشركات استراتيجيات و”عروض تقديمية”، كان شباب المغرب يُكافحون للحصول على اتصال إنترنت صالح أو كرسي متهالك داخل دار شباب مُتهالكة.
في الوقت الذي تتذرع فيه الوزارة بشح الميزانية لعدم دعم الجمعيات، لم تجد أي حرج في صرف الملايين على وثائق وأوراق لن يقرأها أحد خارج رفوف المكاتب المكيفة.
رقمنة على الورق… وواقع يئن من العزلة الرقمية
التحول الرقمي الذي تتغنى به الوزارة لم ينعكس لا في تجهيزات، ولا في تطبيقات، ولا حتى في إشارات بسيطة لتغيير حقيقي. فمعظم دور الشباب تفتقر للبنية الأساسية البسيطة، والعديد منها لا يتوفر حتى على خط هاتف ثابت أو شبكة واي فاي، ناهيك عن مختبر رقمي أو قاعة إعلاميات.
النتيجة؟ شعور جماعي بالإقصاء الرقمي، وسط شباب يبحث عن فرص حقيقية في التكوين والانخراط، بينما تُحشد الملايين لإعداد تقارير تُعرض في الندوات وتُنسى فور انتهاء التصفيق.
الوزير الذي يُراكم الوثائق… ويُهمش المراكز
في هذا المشهد الباهت، يبدو الوزير بنسعيد أشبه بمقاول سياسي أكثر منه مسؤولًا عن قطاع حساس. يتفنن في إنتاج استراتيجيات لامعة تُعرض على شاشة عريضة، بينما دور الشباب تُغلق واحدة تلو الأخرى، أو تتحول إلى بنايات بلا روح، بلا مؤطرين، بلا برامج، وبلا جمهور.
ما يُثار حول غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد مجرد انطباع، بل صار واقعًا. فالصفقات تُبرم، والأموال تُصرف، ولا أحد يُسأل عن النتائج، لأن الورق صبر، والعروض التقديمية صارت بديلا للواقع.
حين تتحول الوزارة إلى مختبر دراسات لا يخدم أحدًا
لا شيء يختزل مفارقة وزارة الشباب أكثر من هذا المثال. رقمنة تُسوّق كإنجاز سياسي، في حين أنها مجرّد عنوان لتضخيم النفقات وتحريك مكاتب الدراسات المقربة. تَرف رقمي يُراكم العجز بدل أن يحله، ويُعمّق الهوة بدل أن يُقرب الشباب من الدولة.
فالمطلوب لم يكن قط استراتيجية برّاقة، بل إنترنت شغال، تجهيزات لائقة، مؤطرون مؤهلون، وأنشطة هادفة. أما هذه الاستراتيجية الورقية، فهي لا تسمن ولا تغني من عزلة.






