فضيحة القناة الأمازيغية… حين تتحوّل الشاشة إلى منجم ذهب!

فضيحة القناة الأمازيغية… حين تتحوّل الشاشة إلى منجم ذهب!

في زمنٍ تُعلن فيه المؤسسات العمومية عن التقشف و”شحّ الميزانية”، يبدو أن بعض القنوات المغربية وجدت الوصفة السحرية للغنى… غنى بلا إعلانات ولا نسب مشاهدة ولا تعب!


القصة ليست خيالًا ولا إشاعة من وراء الكواليس، بل واقعٌ كشفته وثائق المجلس الأعلى للحسابات وتحوّل اليوم إلى ملفّ قضائي ساخن تتسع دوائره يومًا بعد يوم.

بدأت الحكاية مع تقريرٍ “منسيّ” يعود إلى سنة 2018، وضع أصبعه على الجرح: سبع شركات فقط كانت تلتهم أغلب عقود الإنتاج في القناة الأمازيغية، محققة 33٪ من العقود و74٪ من الأموال و59٪ من عدد البرامج. البقية؟ مجرد أسماء على الورق… شركات صغيرة لا ترى من “الكعكة السمعية البصرية” سوى الفتات.

لكن الزلزال الحقيقي لم يقع إلا مؤخرًا، حين تم استنطاق محمد ممّاد، المدير السابق للقناة الأمازيغية، من طرف الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط.


هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون سوى نقطة في واد بالنظر إلى حجم الاختلالات وملفات تبذير المال العام التي خلصت إليها تقارير المجلس الأعلى للحسابات خلال افتحاص قنوات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة سنة 2018، وخصوصًا القناة الأولى، السادسة، الأمازيغية، وقناة العيون.

وإذا كان من الضروري فتح ملف القناة الأمازيغية، فمن باب أولى أن يُفتح أيضًا ملف طلبات العروض والشركات التي راكمت ثرواتٍ ضخمة على مدى أكثر من 12 سنة، أي منذ إطلاق نظام الطلبات سنة 2013.


بعض هذه الشركات، تقول المصادر، تحصل سنويًا على أرقام خرافية تفوق بعشرات المرات المبالغ التي يُتابع بها المدير السابق ومن معه، ما يجعل السؤال مُلحًّا: من يملك هذه الشركات؟ ومن يحميها؟

الملف لا يقف عند حدود الإنتاج والصفقات، فهناك المديرية التقنية التي تُعتبر “الثقب الأسود” في ميزانية الشركة الوطنية. ميزانيات تُستنزف بصمت، وصفقاتٌ لا تُسلَّط عليها الأضواء، ومع ذلك لا أحد يسأل: كم تُكلّف فعليًا؟ ومن المستفيد؟
إنها منطقة رمادية تحتاج افتحاصًا من نوع خاص، افتحاصًا قد يجرّ أسماء كبيرة إلى المساءلة القانونية، لو كانت هناك إرادة حقيقية للمحاسبة.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام توضيحاتٍ صريحة وشجاعة مؤسساتية، يبدو أن البعض ما زال يعيش في منطق “كل شيء على ما يُرام”، وكأنّ المال العام مجرد جائزة وفاء للمديرين القدامى والمقرّبين.


لكن الحقيقة المرة أن ما يحدث داخل بعض القنوات العمومية ليس مجرد خلل إداري… بل أزمة أخلاقية عميقة، حيث تُصبح الكاميرا وسيلة للإثراء، لا للإخبار، ويُختزل الإعلام في شبكة من العلاقات والمصالح الضيقة.

اليوم، الملف بين يدي القضاء، لكن العدالة وحدها لا تكفي. المطلوب أكثر من محاكمات: المطلوب مصارحة ومحاسبة ومراجعة شاملة. لأن الإعلام العمومي، حين يفقد مصداقيته، لا يخسر جمهوره فقط، بل يخسر الوطن صوته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى