فاتح ماي بالداخلة: النقابة تستعرض القوة وتغازل السياسة
في الداخلة، لم يكن فاتح ماي مجرد مناسبة عمالية عابرة، بل تحول إلى استعراض قوة بنكهة سياسية خفيفة… أو ربما ثقيلة، حسب زاوية النظر. الشوارع التي اعتادت هدوءها النسبي، وجدت نفسها فجأة أمام مسيرة تقودها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكأنها تقول للجميع: “نحن هنا… ولسنا مجرد رقم في معادلة اجتماعية”.
حوالي ألف مشارك، رقم قد يبدو عادياً في مدن أخرى، لكنه في الداخلة يحمل دلالة مختلفة. لأن الحضور لم يكن فقط عددياً، بل نوعياً أيضاً. من الصيد البحري إلى الفلاحة، ومن النقل إلى الوظيفة العمومية، بدا المشهد وكأنه لوحة كاملة لليد العاملة في الجهة، بكل تناقضاتها وانتظاراتها.
المثير في هذه المسيرة، أنها لم تكن مجرد واحدة من بين عدة فعاليات… بل كانت الوحيدة. وكأن الساحة النقابية قررت أن تترك الميكروفون لفاعل واحد، يتحدث بصوت عالٍ، دون تشويش. وهنا، تحولت الكونفدرالية من مجرد نقابة إلى لاعب مركزي يحتكر المشهد، ولو ليوم واحد.
الشعارات المرفوعة لم تخرج عن القاموس الكلاسيكي: تحسين الدخل، مراجعة الأجور، تقوية الحماية الاجتماعية. لكن خلف هذه الكلمات، كانت هناك رسائل أكثر عمقاً. لأن المطالب، في سياق الداخلة، لا تُقرأ فقط اجتماعياً… بل اقتصادياً وسياسياً أيضاً.
الجهة، التي تعيش على إيقاع مشاريع استثمارية كبيرة، وجدت نفسها أمام سؤال بسيط لكنه مزعج: أين نصيب اليد العاملة المحلية؟ المشاركون لم يطلبوا المعجزات، بل طالبوا بشيء يبدو بديهياً… ربط التنمية بالتشغيل الحقيقي، لا بالوعود المؤجلة.
وهنا، بدأ الخطاب يتغير. لم يعد الحديث فقط عن حقوق العمال، بل عن موقعهم داخل معادلة التنمية. لأن المشاريع، مهما كبرت، تفقد معناها حين تمر بجانب الساكنة دون أن تترك أثراً حقيقياً في حياتها.
كلمة عبد الرحمان السالمي، الكاتب الجهوي للنقابة، لم تكن مجرد خطاب تقليدي. بل حملت نبرة مختلفة، توحي بأن النقابة لم تعد تكتفي بدورها الكلاسيكي. الحديث عن الاستعداد للعب أدوار أكبر، بما فيها السياسية، لم يكن تفصيلاً عابراً.
وهنا، تبدأ القصة الحقيقية. لأن النقابة، حين تقترب من السياسة، تدخل منطقة ملغومة. فهي من جهة تدافع عن العمال، ومن جهة أخرى تلمّح إلى حضور محتمل في موازين القوى المحلية.
هذه “الازدواجية” ليست جديدة، لكنها في الداخلة تأخذ طابعاً خاصاً. لأن الجهة، بحكم موقعها وحساسيتها، ليست مجرد فضاء اجتماعي، بل ساحة تتقاطع فيها رهانات اقتصادية وسياسية.
الدعوة إلى تعزيز حقوق المرأة، ومحاربة التمييز، وترسيخ تكافؤ الفرص، بدت كأنها محاولة لتوسيع الخطاب… أو ربما لتجميله. لأن الواقع، كما يعرفه الجميع، أكثر تعقيداً من الشعارات.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المسيرة نجحت في شيء واحد على الأقل: إعادة النقاش إلى الواجهة. نقاش حول الشغل، حول العدالة الاجتماعية، وحول من يستفيد فعلاً من دينامية الاستثمار في الجهة.

