
غلاء اللحوم يثير تساؤلات حول نجاعة الإجراءات الحكومية
غلاء اللحوم يثير تساؤلات حول نجاعة الإجراءات الحكومية
قبل أن يطلّ شهر رمضان، وقبل أن يُسأل المواطن عن قدرته على شراء “اللحم ولو بالتصوير”، اختارت الأسعار أن تسبق الجميع. اللحوم الحمراء لم تعد تكتفي بالارتفاع، بل دخلت مرحلة الاستعراض، فيما الحكومة تكتفي بدور المتفرّج الذي يشرح الغلاء بدل أن يوقفه. هكذا تلخّص حزب العدالة والتنمية المشهد: فشل في التدبير، واستسلام للوسطاء، وترك المستهلك وحيدًا في مواجهة المضاربة.
المجموعة النيابية للحزب حمّلت الحكومة مسؤولية الارتفاع الصاروخي لأسعار اللحوم وباقي المواد الغذائية، معتبرة أن ما يقع ليس “تقلبات سوق”، بل نتيجة مباشرة لاختلالات عميقة في إدارة القطاع الفلاحي. سعر الكيلوغرام الذي كان في حدود 140 درهمًا صار رقمًا من الماضي، ومع اقتراب رمضان وعيد الأضحى، يبدو أن الشهية الوحيدة المفتوحة هي شهية المضاربين.
في قلب هذا السجال، خرج مصطفى إبراهيمي بانتقادات حادة لطريقة تعامل الحكومة مع أزمة انهيار القطيع. في رأيه، الحكومة لم تُخطئ فقط، بل بدت عاجزة ومتواطئة في الآن نفسه. وزير الفلاحة، بحسبه، يدير قطاعًا استراتيجيًا بعين واحدة، فيما الجهة السياسية المهيمنة تترك السوق لمنطق “دبّر راسك”، حيث القوي يأكل الضعيف… والضعيف يشتري إن استطاع.
الطرافة السوداء في القصة تظهر عند الحديث عن الإعفاءات الجمركية. الحكومة منحت مستوردي اللحوم تسهيلات سخية، قُدّرت كلفتها بنحو 20 مليار درهم إلى غاية 2024. دعم عمومي بلا شروط واضحة، لا ينعكس على الأسعار، ولا يحمي الكساب الصغير، ولا يخفف عن المستهلك. المال خرج، واللحم لم ينزل، والنتيجة واحدة: رابحون معروفون وخاسر واحد اسمه المواطن.
أما فوارق الأسعار، فهي فصل قائم بذاته في كتاب الغلاء. الكساب البسيط يبيع الخروف بحوالي 120 درهمًا للكيلوغرام، بينما يصل السعر عند الجزار إلى أرقام فلكية، قيل إنها لامست 900 درهم. بين الرقمين، تضيع العدالة، وتتكاثر الحلقات الوسيطة، ويُطرح السؤال البديهي: من يلتهم الربح، ومن يُترك له العظم؟
من جهتها، وصفت ثورية عفيف حصيلة الحكومة بأنها إنجاز في تقوية الجشع أكثر مما هي دعم للقدرة الشرائية. الدعم العمومي، تقول، لم يذهب لمن يستحق، بل انتهى في جيوب المضاربين، بينما المواطن يُطالَب بالصبر، وكأن الصبر مادة غذائية بديلة.
ولأن الغلاء لا يحبّ الوحدة، فقد امتدّ إلى مواد أخرى: البيض، السردين، وأساسيات المائدة المغربية. كل شيء يرتفع، إلا الأجور. وفي لحظة انسجام نادر مع الواقع المعكوس، خرج عضو في الحكومة ليحذّر من أن خفض أسعار اللحوم قد يضرّ بالقطيع. تصريح اعتبرته عفيف دليلاً على انفصال تام عن معاناة الناس، حيث صار الحفاظ على القطيع أولوية، بينما القدرة الشرائية في خبر كان.
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة أزمة لحم فقط، بل أزمة رؤية. حكومة تشرح أكثر مما تفعل، وسوق تُترك بلا ضابط، ومواطن يُطلب منه أن يتأقلم مع الغلاء كما يتأقلم مع الطقس. الفرق الوحيد أن الغلاء… لا يمرّ.






