عندما تُدار الهجرة بالترحيل… الجزائر تُصدّر البشر إلى الصحراء

عندما تُدار الهجرة بالترحيل… الجزائر تُصدّر البشر إلى الصحراء

يبدو أن الجزائر وجدت أخيرًا «الحل السحري» لملف الهجرة: لا سياسات إدماج، لا آليات حماية، ولا حتى حدٌّ أدنى من التدبير الإنساني… فقط قوافل طرد تُلقى في الصحراء، ثم يُغلق الملف. هكذا، وبلا ضجيج، تم ترحيل أكثر من 34 ألف مهاجر نحو النيجر خلال 2025، عبر الحدود الجنوبية، وكأن الأمر يتعلق بشحنة فائضة لا بأرواح بشرية.

السلطات التي لا تُفوّت فرصة للحديث عن السيادة وحقوق الإنسان، نسيت أن تخبرنا كيف تُدار «السيادة» حين تُترك نساء وأطفال ورُضّع وأشخاص في وضعية إعاقة في العراء. سبع وفيات موثقة—والعدد الحقيقي أكبر على الأرجح—لكن لا بأس؛ فالصحراء، كما يبدو، لا تُحصي الضحايا بدقة، ولا تُصدر بيانات.

في أساماكا، حيث ينتهي الطريق ويبدأ الاختبار القاسي، تصل القوافل منهكة، عطشى، وبعضها يصل متأخرًا… إلى درجة الموت. هناك، تحاول فرق إنسانية إسعاف من بقي واقفًا، بينما تتكفل الرمال بالباقي. أما التبرير الجاهز، فهو دائمًا ذاته: «صعوبات التوثيق». نعم، التوثيق صعب حين يكون البشر مُبعثرين في الصحراء.

الطريف—إن جاز الوصف—أن هذه السياسة لا تُقدَّم بوصفها فشلًا، بل كـ«حزم». حزمٌ مدعومٌ بصمتٍ أوروبي، وتشديد إقليمي، وبرامج «عودة طوعية» لا تجد طريقها إلى الواقع. آلاف العالقين في أساماكا لا يستطيعون الرجوع جنوبًا، ولا التقدّم شمالًا. عالقون بين خطابين: أحدهما يُدين «الهجرة غير النظامية»، والآخر يتغنّى «بالقيم».

والأكثر سخرية أن هذه المقاربة تُسوَّق كحلٍّ أمني، بينما نتائجها إنسانية كارثية. الأمن هنا يُقاس بعدد الشاحنات التي تعود فارغة، لا بعدد الأرواح التي تنجو. أما «الرسالة الردعية» فمكتوبة بالرمال: من يعبر، يُرمى.

المنظمات الحقوقية تدعو—بهدوء لا يليق بالمأساة—إلى نهج إنساني، ووقف الطرد القسري، واحترام حرية التنقل وحقوق الإنسان. لكن يبدو أن النداءات تُدفن بسرعة في الصحراء ذاتها. إلى أن يحدث ذلك، ستستمر السياسة نفسها: طردٌ جماعي، أرقامٌ رسمية أقل من الواقع، وضحايا بلا أسماء.

في النهاية، ليست المشكلة في الهجرة وحدها، بل في إدارةٍ تُحوّل البشر إلى عبء لوجستي. وحين تصبح الصحراء مكتب استقبال، فاعلم أن السياسة فقدت بوصلتها، وأن السخرية—للأسف—لم تعد مجازًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى