...

عقيدة التشويش… حين تفضّل الجزائر حرب الظل على مواجهة الواقع

عقيدة التشويش… حين تفضّل الجزائر حرب الظل على مواجهة الواقع

في كل مرة تضيق فيها السياسة، تتسع العسكرة. هكذا يبدو المشهد في الجزائر، حيث تتحول الحدود المغلقة إلى مسرح رسائل مشفّرة، ويُستدعى “التشويش الإلكتروني” كأنه إنجاز حضاري لا مجرد أداة ردع. بدل أن تُفتح المعابر، تُنصب الهوائيات. وبدل أن تُبنى جسور الثقة، تُختبر موجات الرادار.

الحديث عن نشر أنظمة حرب إلكترونية قرب الحدود مع المغرب—سواء تأكد أم بقي في خانة التسريبات—يكشف عقلية مأزومة أكثر مما يكشف تفوقًا تقنيًا. فالدول الواثقة من خياراتها لا تحتاج إلى تسويق الردع كل أسبوع، ولا إلى تحويل كل تحديث عسكري إلى عرضٍ دعائي.

السخرية أن الجزائر، التي ترفع شعار “السيادة” في كل بيان، تبدو أسيرة هاجس المقارنة. كل تطوير مغربي يُقابل بإعلان مضاد، وكل صفقة تُقابل بصفقة أكبر. سباقٌ لا يهدف إلى التفوق بقدر ما يهدف إلى إقناع الداخل بأن “العدو” حاضر دائمًا، وأن الإنفاق العسكري ضرورة لا تُناقش.

لكن ماذا عن الاقتصاد؟ عن الشباب؟ عن الاستثمارات؟ عن المستقبل الذي لا يُشوش عليه أحد سوى السياسات القديمة؟ حين تُختزل الوطنية في صدى الرادارات، يصبح السؤال مشروعًا: هل الردع غاية أم غطاء؟ وهل “حرب الظل” تعويض عن عجزٍ في وضح النهار؟

الأنظمة تُشوش الإشارات، لكنها لا تُشوش الحقائق. والحدود المغلقة منذ 1994 لم تُنتج استقرارًا ولا ازدهارًا. ما أنتجته هو توتر مزمن يُستدعى عند الحاجة، ويُوظف سياسيًا كلما تعثر الداخل.

الجزائر لا تحتاج إلى مزيد من أجهزة التشويش؛ تحتاج إلى وضوح في الرؤية. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأنظمة الإلكترونية، بل بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى تنمية، لا إلى رسائل مشفرة عبر الحدود.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى