عزل عامل إنزكان.. خطوة ناقصة في مواجهة فساد العقار

عزل عامل إنزكان.. خطوة ناقصة في مواجهة فساد العقار

منذ الإعلان عن عزل عامل إنزكان آيت ملول إسماعيل أبو الحقوق، انطلقت الأسئلة في الشارع المغربي: هل العزل إجراء كافٍ؟ أم أن المنطق يقتضي إحالة الملف إلى القضاء، تماماً كما يحدث مع رؤساء الجماعات الذين يجدون أنفسهم أمام المحاكم لأسباب مشابهة وربما أقل خطورة؟

الحقيقة أنّ الجواب ليس بسيطاً. فالعزل، مهما بدا صارماً، يظل مجرد خطوة شكلية ما دامت الملفات لا تجد طريقها إلى العدالة. والناس يعرفون ذلك جيداً، إذ يرون يومياً كيف يعيش بعض المسؤولين فوق القانون، يتلاعبون بالعقار كما لو كان إرثاً شخصياً، ويحوّلون “المصلحة العامة” إلى أداة لانتزاع الأراضي.

ولكي لا يبقى الحديث محصوراً في إنزكان، يكفي أن نتوجه إلى تيزنيت. هناك أيضاً تتكرر المأساة: أراضي بوغابة وأراضي الجموع التي انتُزعت من أصحابها الأصليين تحت عناوين “الأرض الغابوية” أو “المنفعة العامة”، قبل أن تتحول فجأة إلى ملكيات خاصة يستفيد منها المحظوظون. عند هذه النقطة يتضح الوجه الآخر لـ”تمغرابيت”: تلك الهوية التي كان يفترض أن تعكس التضامن والكرم، لكنها صارت مرتبطة بالتحايل والريع والصفقات المظلمة.

لقد صار من السهل اليوم أن نقول: “تمغرابيت تحوّلت إلى تلازم مع التلاعب”. فكم من شخص راكم ثروة هائلة من خلال هذه التفويتات العقارية، وكم من عائلة فقدت أرضها تحت غطاء قانوني ملفّق أو قرار إداري مبهم. المشكلة ليست في حالات معزولة، بل في منظومة كاملة تجعل الفساد قاعدة، وتجعل من يفلتون من المحاسبة أمراً عادياً.

ومع ذلك، تبقى المفارقة صارخة: رؤساء جماعات يُحاكمون ويُدانون أحياناً بسنوات من السجن، بينما مسؤولون أكبر يُكتفى بعزلهم في هدوء. وكأن القانون في هذه البلاد طبقتان: واحدة صارمة للفئات الأقل نفوذاً، وأخرى مرنة وناعمة لأصحاب المراتب العليا. فأين المساواة أمام العدالة إذن؟

هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل. منذ عقود، والأراضي العمومية وأراضي الجموع تتحول إلى مناجم ذهب لطبقات محدودة، بصفقات مشبوهة وبتواطؤ سلطات إقليمية. تراكمت الثروات، صعدت أسماء، وسقطت أخرى، بينما ظل المواطن البسيط يشاهد أرضه تتحول إلى مشروع استثماري لا يستفيد منه إلا أصحاب النفوذ.

وإذا أردنا أن نكون صرحاء، فإننا أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة قانونية. لأننا حين نقبل – كمجتمع – بأن يكون التلاعب العقاري جزءاً من “الذكاء الاجتماعي”، فإننا نكرّس ثقافة ترى في الريع والتحايل طريقاً شرعياً للاغتناء. وما لم تُكسر هذه القاعدة، فلن يكون لأي إصلاح معنى.

 العزل قد يبدو خطوة إصلاحية، لكنه يبقى نصف الحقيقة. النصف الآخر يظل حبيس الأدراج، بعيداً عن القضاء، يفضح وجهاً مُظلماً من “تمغرابيت” التي انزلقت من رمز للأصالة إلى غطاء للتحايل والنهب. فإذا لم تُفتح هذه الملفات بشجاعة، فإننا سنبقى ندور في نفس الدائرة: دائرة الفساد، الريع، و”أناس فوق القانون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى