
صفقة بمواصفات تقنية عالية… وشبهات سياسية أعلى…
صفقة بمواصفات تقنية عالية… وشبهات سياسية أعلى…
لم يكن ظهور وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي أمام البرلمان حدثاً عادياً، بل كان أشبه بمحاولة إطفاء حريق شبَّ في ساحة سياسية تعرف جيداً أن الدخان لا يخرج عبثاً. الوزير تحدّث مطولاً وبلغة تقنية أنيقة عن صفقة تزويد السوق الوطني بالبوتاسيوم، وكأن التفاصيل الإدارية كفيلة بإقناع الشارع بأن الأمر “مجرّد طلب عروض” لا غير. لكن المشكل – كما يعرف الجميع – لم يعد في دفتر التحملات بل في دفتر الثقة.
فالوزير قال إن الشركة الفائزة مغربية ومنتجة وليست مستوردة ظرفياً، وقال أيضاً إن المساطر مرت بصرامة شفافة. كلام جميل… لكنه لا يلامس لبّ الأزمة.
الناس لم تعد تسأل: “كيف رُست الصفقة؟”، بل: “من هي الشركة؟ من خلفها؟ ومن يربح في النهاية؟”.
في بلد تعود فيه المواطنون على رؤية نفس الوجوه حول صفقات الدولة، من الطبيعي أن لا يصدّق أحد أن الأمر مجرد صدفة أو مجرد منافسة نزيهة.
وحين أكد التهراوي أن “الصفقات تُمنح لشركات وليس لأشخاص”، بدا كمن يحاول إقناع الجمهور بأن السماء زرقاء.
نعم، نعلم أنها تُمنح لشركات… لكن المشكلة حين تكون هذه الشركات لها أسماء غير معلنة داخل الحكومة، أو وجوه تتكرر بنفس الوتيرة التي تتكرر بها أعطال المنظومة الصحية.
وزاد الوزير الطين بلة حين قال إن “إصلاح منظومة تضارب المصالح شأن تشريعي مشترك”، وكأنه يعترف بأن الإطار القانوني الحالي أوسع من أن يحاصر نفوذاً متشعباً، وأضيق من أن يحمي المال العام من دخول السياسة إلى غرف الصفقات. تصريح بدا أشبه باعتراف لطيف بأن الباب الذي يفترض أن يكون مغلقاً… ما زال موارِباً جداً.
ملف البوتاسيوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل: صفقات تربحها شركات يُشاع أنها قريبة من وزراء، ومناقصات تثير الشكوك كلما كان المال العام على الطاولة. وفي كل مرة، يأتي مسؤول حكومي ليؤكد أن “الصفقة سليمة من الناحية التقنية”. وهذا صحيح في الغالب، فالمشكل ليس في التقنية بل في السياسة… وليس في الوثائق بل في الأسماء.
ووسط هذا الجدل، يتحدث الوزير عن “رسالة ديمقراطية” حملها حضوره للبرلمان، بينما الرسالة التي التقطها الشارع كانت مختلفة تماماً: لماذا تستفيد شركات مقربة من نفس الحزب مرة تلو أخرى؟ ولماذا تُثار الشبهات في كل صفقة كبيرة كأنها قدر محتوم؟
القصة في النهاية ليست “بوتاسيوم” ولا “صفقة” ولا “مسطرة”. القصة سؤال أخلاقي وسياسي صريح: هل نعيش في دولة تنظّمها القوانين، أم في سوق يتحرك فيها النفوذ أسرع من أي دفتر تحملات؟ وهل يمكن للمواطن أن يثق في شفافية التنافس حين يرى المال والسلطة يسيران جنباً إلى جنب على نفس الرصيف؟
إلى أن تُجاب هذه الأسئلة بغير التبريرات المعتادة، سيظل كل طلب عروض كبير مناسبة جديدة للريبة، وكل صفقة عامة فرصة أخرى لتجدد السؤال ذاته:
من يحكم فعلاً… القانون أم المصالح؟






