صفقة بـ4.66 مليون درهم… وزارة الصحة تبني حصنًا رقميًا للمرضى

وزارة الصحة تطلق صفقة بملايين الدراهم لبناء نظام سيبراني لحماية أسرار المرضى

فجأة، وبدون مقدمات كثيرة، اكتشفت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن المعطيات الطبية للمغاربة ليست أرقامًا عابرة، ولا ملفات إدارية يمكن تداولها بخفة، بل “كنز رقمي” يحتاج إلى حراسة مشددة. الاكتشاف جاء متأخرًا، لكنه جاء هذه المرة محمّلًا برقم ثقيل: 466 مليون درهم لإنشاء مركز عمليات للأمن السيبراني.

الوزارة تقول إن الخطوة تدخل في إطار الامتثال للقانون 09-08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية. امتثالٌ جميل على الورق، لكنه يطرح سؤالًا بسيطًا ومزعجًا:

أين كانت هذه الحماسة القانونية حين تم تنزيل أنظمة معلوماتية ضخمة، وحين تُركت بيانات المرضى تتجول بين خوادم وشركات خاصة، بعقود لا يعرف المواطن عنها سوى أنها “قانونية”؟

لسنوات، ظلت المعطيات الطبية — تشخيصات، تحاليل، ملفات علاج — تُدار بمنطق “دبّر راسك”. شركات خاصة هنا، تفويض هناك، ومسؤولية ضائعة في المنتصف. لم يكن هناك “درع رقمي”، ولا مركز عمليات، ولا حتى قلق معلن. كان كل شيء يسير على ما يرام… إلى أن تذكّر أحدهم أن الاختراقات السيبرانية موجودة، وأن الخصوصية ليست رفاهًا.

اليوم، تقرر الدولة بناء جدار ناري ضخم. مركز سيراقب، ويحلل، ويتدخل، ويرصد كل محاولة ولوج مشبوه. خطوة مهمة، بلا شك. لكن السخرية تكمن في التوقيت:

نحن لا نبني منظومة وقائية، بل نعالج آثار تساهل طويل، بثمن مرتفع، وبخطاب يوحي بأن الخطر وُلد البارحة.

466 مليون درهم لحماية المعطيات. رقم يبعث على الطمأنينة… أو على القلق، حسب زاوية النظر. فإما أن الخطر كان مهولًا ولم يُعلن عنه، أو أن الفوضى الرقمية كانت أعمق مما يُقال، أو أن “الصحوة السيبرانية” جاءت فقط حين أصبح الإهمال مكلفًا سياسيًا.

المفارقة أن المواطن، صاحب هذه المعطيات، لم يُستشر، ولم يُشرح له كيف كانت بياناته تُدار بالأمس، ولا كيف ستُدار غدًا. كل ما عليه فعله هو الاطمئنان، لأن الدولة قررت أخيرًا أن تطمئن.

في النهاية، قد ينجح المركز، وقد تُحمى المعطيات، وقد تُغلق الأبواب الرقمية بإحكام.

لكن السؤال سيبقى عالقًا في ذاكرة الخوادم:

لماذا احتجنا إلى نصف مليار درهم تقريبًا… كي نقتنع أن خصوصية المرضى ليست ملفًا مؤجلًا، بل مسؤولية كان يجب أن تُحمى قبل أن تصبح قضية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى