صفقات “اطريشا” للتواصل تضع السكوري تحت مجهر المساءلة

صفقات “اطريشا” للتواصل تضع السكوري تحت مجهر المساءلة

في بلدٍ يتقن فنّ شدّ الانتباه أكثر مما يتقن حلّ المشاكل، وجد ملف صفقات التواصل داخل مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل طريقه إلى الواجهة، لا بفضل نتائج ملموسة، بل بسبب أرقام تلمع أكثر من لافتات الحملات الإشهارية نفسها. فجأة، صار “التواصل” قضية رأي عام، لا لأنه حسّن ظروف المتدربين أو أنقذ ورشات التكوين من أعطالها المزمنة، بل لأنه ابتلع أكثر من مليار سنتيم في صمت… قبل أن يُكسر الصمت بسؤال برلماني.

السؤال، الذي وُجّه إلى وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل يونس السكوري، لم يكن سؤالًا تقنيًا باردًا، بل أقرب إلى وضع الإصبع على زرّ الإحراج: لماذا تُصرف كل هذه الملايين على “التواصل” في مؤسسة يُفترض أن تتواصل نتائجها مع الواقع قبل عدسات الكاميرا؟ هنا دخلت النائبة البرلمانية سلوى البردعي على الخط، لتطرح السؤال الذي يهرب منه الجميع: ما الجدوى؟ هل تحسّن التكوين؟ هل ارتفعت جودة التأطير؟ أم أن المتدرب سيظل يشتكي من آلة معطلة، بينما يبتسم في ملصق إشهاري فاخر؟

الأرقام، كعادتها، لا تمزح. 559 مليون سنتيم لدعم المكتب في مجال التواصل، و360 مليون سنتيم لطبع دعامات تواصلية. أرقام تكفي لتجديد تجهيزات، أو تحسين منح، أو على الأقل إصلاح أعطاب مزمنة. لكنها، على ما يبدو، اختارت أن تتحول إلى منشورات، ولافتات، وربما شعارات تُقنع الجميع بأن “كل شيء على ما يرام”، حتى لو لم يكن كذلك.

الأكثر إثارة للسخرية أن هذا السخاء التواصلي جاء في سياق متوتر، حيث تحوّل النقاش بين الإدارة والوزارة من تقييم هادئ إلى تبادل إشارات حادة، كأن التواصل لم يُنفق عليه ما يكفي داخليًا، فاضطروا إلى تصدير الخلاف إلى العلن. هنا يصبح “التواصل” ليس أداة شرح، بل غطاءً سميكًا يُخفي ارتباك الحكامة، ويؤجل الأسئلة بدل الإجابة عنها.

ومع انتقال الملف إلى البرلمان، لم يعد الأمر مجرد صفقة أو صفقتين، بل اختبارًا حقيقيًا لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن تخرج توضيحات رسمية تقنع الرأي العام بأن المال صُرف حيث يجب، أو يترسخ الانطباع بأن الأولوية لم تكن للمتدرب ولا للتكوين، بل للصورة… والصورة فقط.

في النهاية، قد ينجح المكتب في تحسين حضوره البصري، وقد تُطبع آلاف الدعامات اللامعة، لكن السؤال سيظل معلقًا: هل نحتاج إلى كل هذا التواصل لنُقنع أنفسنا بأن الخدمة العمومية بخير، أم أننا نغطي بالصوت العالي صمت النتائج؟ في زمن الأزمات، يبدو أن بعض المؤسسات اختارت أن “تتواصل” أولًا… وتفكر لاحقًا.

Exit mobile version