صرف العملات: أرقام هادئة وواقع اقتصادي مضطرب
تعكس أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدرهم، كما حدّدها بنك المغرب ليوم 19 يناير 2026، صورة مركّبة لاقتصاد يعيش على إيقاع توازنات دقيقة أكثر مما يعيش على مؤشرات مطمئنة. أرقام الصرف، التي تُنشر يوميًا في صيغة تقنية محايدة، تخفي خلفها كلفة اجتماعية واقتصادية لا تظهر في الجداول، لكنها تُستشعر مباشرة في السوق.
اتساع الفارق بين سعري الشراء والبيع في العملات الرئيسية، خصوصًا اليورو والدولار الأمريكي، ليس مجرد تفصيل محاسبي. إنه هامش أمان مالي للمؤسسات، يقابله هامش ضغط على المستوردين، ثم على المستهلكين. في اقتصاد يعتمد بشكل بنيوي على الواردات لتأمين الطاقة والمواد الأساسية ومستلزمات الإنتاج، يتحول هذا الفارق إلى عبء صامت يُرحَّل تدريجيًا إلى الأسعار، دون ضجيج ودون مساءلة.
ارتفاع أسعار بيع العملات الأوروبية والأمريكية يعكس استمرار التوتر في الأسواق الدولية، وتشدد السياسات النقدية عالميًا، لكنه يطرح في السياق الوطني سؤالًا ملحًّا: إلى أي حدّ يستطيع الدرهم تحمّل هذه الضغوط دون أن تتآكل القدرة الشرائية؟ الاستقرار النسبي للعملة لا يعني بالضرورة استقرارًا في معيش المواطنين، حين تبقى الأجور جامدة والأسعار مرنة في اتجاه واحد.
العملات الخليجية، وعلى رأسها الدينار الكويتي والريال العُماني، تسجل مستويات مرتفعة تعكس قوة اقتصاداتها المرتبطة بالطاقة. غير أن هذا المعطى يُذكّر في المقابل بهشاشة الدول المستوردة للنفط أمام تقلبات الصرف، ويبرز محدودية الخيارات المتاحة حين ترتفع كلفة الفاتورة الطاقية بالتوازي مع ضغط العملات.
سياسة الصرف المرن والمراقَب التي يعتمدها بنك المغرب وفّرت، إلى حدّ الآن، مظلة حماية من صدمات عنيفة، لكنها لا تلغي حقيقة أن هامش التدخل يظل محدودًا في سياق دولي غير مستقر. الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية هدف مشروع، غير أن تحويله إلى أولوية مطلقة، دون إجراءات موازية لحماية السوق الداخلية، يخلق فجوة بين المؤشرات المالية والواقع الاجتماعي.
النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند مستوى الأرقام اليومية، بل يجب أن ينتقل إلى ما هو أعمق: كيف يمكن تقليص التبعية للاستيراد؟ وكيف يُمكن دعم الإنتاج المحلي ليصبح الدرهم أقل ارتهانًا لتقلبات الخارج؟ ثم، والأهم، كيف تُترجَم سياسة الصرف إلى أدوات فعلية تحمي القدرة الشرائية ولا تكتفي بضبط المؤشرات؟
في النهاية، أسعار العملات ليست مجرد بيانات تقنية تُحدَّث كل صباح، بل مرآة تعكس اختيارات اقتصادية كاملة. وحين تستقر الأرقام بينما يضطرب الواقع المعيشي، يصبح الاستقرار ذاته موضع سؤال، لا موضع طمأنينة.
