صراع المناصب داخل الوزارة يكشف هشاشة الحكامة في قطاع التكوين المهني
يبدو أن قطاع التكوين المهني يعيش هذه الأيام مشهداً أقرب إلى حلقة من مسلسل سياسي طويل، حيث تختلط المناصب بالطموحات، وتتقاطع مصالح الديوان مع فراغ إداري عمره سنوات، في وقت يفترض فيه أن يكون هذا القطاع هو العصب الأساسي لتأهيل كفاءات البلاد.
ومع ذلك، ظل منصب الكاتب العام شاغراً لما يقارب ثلاث سنوات، وكأن التكوين المهني قطاع “ثانوي” يمكن قيادته بالنيابة وبالنية الحسنة، أو ربما “بالتي هي أحسن”.
فمنذ مغادرة الكاتبة العامة السابقة، تولت نعيمة صبري المهمة بالنيابة لمدة سنة ونصف، ثم جاءت وفاء عسري، الكاتبة العامة لقطاع التشغيل، لتقود قطاعين في آن واحد، في حالة نادرة تُسجَّل في موسوعة الأرقام القياسية.
وإلى اليوم، مازال القطاع يشتغل بأسلوب “المداومة”، وكأن الكاتب العام وظيفة إضافية لا ضرورة لها.
وسط هذا الاضطراب، يرتفع اسم مستشارة داخل ديوان وزير الإدماج الاقتصادي، يُروَّج أنها المرشحة المفضلة لدى الوزير السكوري لمنصب الكاتب العام. لا أحد ينكر أن الطموح مشروع، لكن غير المشروع هو الطريقة التي يجري بها “التدريب الميداني”، إذ تشير مصادر داخل القطاع إلى أنها أصبحت مكلفة بتتبع ملفات التكوين المهني مع المكتب الوطني، وكأن التعيين صار مسألة وقت، وأن المجلس الحكومي مجرد محطة بروتوكولية لا أكثر.
هذه “المرحلة التدريبية” ليست بريئة في نظر كثير من الأطر، خصوصاً بعد تثبيت المستشار عبد الله الشوييخ مديراً عاماً للأنابيك، وهو الذي كان منافساً جدياً على المنصب نفسه.
وكأن الوزارة دخلت في مباراة داخلية لتوزيع المناصب بين المقربين، بينما القطاع نفسه ينتظر منذ ثلاث سنوات من يوقع باسمه ويُشرف على مساطره الحيوية.
لكن السؤال الأبرز: هل يجوز لمستشارة في الديوان أن تقوم بدور الكاتب العام قبل التعيين؟
القانون يقول لا، والظهير المنظم لدواوين الوزراء يؤكد أن المستشار يساعد ولا يقرر.
لكن الممارسة على أرض الواقع تقول شيئاً آخر تماماً، إذ تحوّل الديوان إلى مركز ثقل موازٍ، يتجاوز مهامه الاستشارية إلى دور تنفيذي مباشر، ما خلق توتراً حقيقياً داخل القطاع، وأثار مخاوف من تحكم غير معلن في مؤسسة عمومية يفترض أن تتمتع باستقلالية واضحة وشفافة.
ومع اقتراب التعيين المرتقب، يظل السؤال معلقاً:
هل ستعيد الكاتبة العامة الجديدة النظام المؤسساتي إلى سكّته الطبيعية؟
أم أن النفوذ الخفي للديوان سيستمر في إدارة القطاع من وراء الستار، تاركاً النصوص القانونية معلّقة على الجدار كديكور إداري لا أكثر؟
في كل الأحوال، يبقى التكوين المهني اليوم بحاجة إلى قيادة حقيقية، لا إلى مناصب تُوزَّع بمنطق القرب السياسي أو الولاء الداخلي. فالإدارة لا تُدار بـ“التدريب قبل التعيين”، ولا بالإشراف غير المعلن، بل بالوضوح، والمسؤولية، واحترام حدود السلطة التي رسمها القانون.
وإلى حين صدور التعيين الرسمي، يظل القطاع في وضع “الطيران الآلي”، ينتظر من يعيده إلى أرض المؤسسات، بدل أن يبقى رهينة حسابات الديوان وطموحات من يبحثون عن لقب “كاتبة عامة” قبل أن يحصلوا عليه فعلياً.

