
سوق الشغل بالمغرب بين مؤشرات الانتعاش وتحديات البطالة
سوق الشغل بالمغرب بين مؤشرات الانتعاش وتحديات البطالة
أصدرت المندوبية السامية للتخطيط مذكرة جديدة حول وضع سوق الشغل، ويبدو أنّ الصورة لا زالت ضبابيّة، كأنّ الضباب نفسه لم يُقرّر بعد إن كان سيبقى أو ينجلي. الفصل الثاني من سنة ألفين وخمسة وعشرين حمل معه شيئًا من الحركة… ولكن ليس كل حركة تُترجم إلى حياة.
المدن فتحت ذراعيها، وكأنها تحاول احتضان من لفظتهم القرى، فرص شغل هنا وهناك، لكنها تشبه أكثر الترميم من البناء. في المقابل، القرى تنزف في صمت، تفقد ما تبقى من مقاعدها في قطار التنمية. وما بين هذا وذاك، تقف خمسة آلاف وظيفة كأنها عذر هشّ أمام طوفان من الأسئلة.
نعم، الوظائف المؤدى عنها ارتفعت، وكأن عجلة الاقتصاد قررت أن تدور ببطء، لكن في الجهة الأخرى، مناصب غير المؤدى عنها تهاوت، بهدوء غريب، كما تسقط ورقة شجرة في الخريف دون أن ينتبه أحد.
الفلاحة… الحقل الواسع الذي طالما حمل ظهر الاقتصاد، خسر كثيرًا. الأشجار لا تُثمر حين تجف الجذور. أما البناء، فقد حاول أن ينهض، أن يرفع الأحجار على جراح الأرض. الخدمات تبتسم بخجل، بينما الصناعة لا تزال تبحث عن صوتها في الضجيج العام.
البطالة؟ تراجعت قليلًا، لكن… التراجع أحيانًا يكون مراوغًا. كأن الرقم يبتسم لك، بينما خلفه تنهض قصص كثيرة، شباب يعلّقون الشواهد على الجدران وينتظرون… نساء تُحسب عليهن البطالة وكأنها خيار. نسبة هنا ترتفع، وأخرى تنخفض، والأسباب؟ ليست دائمًا واضحة.
ثم هناك ذلك الشبح الصامت… الشغل الناقص. أناس يعملون، نعم، لكن ليس بما يكفي. ساعات غير مكتملة، أجور بالكاد تُذكر، كفاءات غير مستعملة، كأنهم يدورون في دائرة لا باب لها.
وفي الخريطة، تتحدث الجهات بلغات مختلفة. الدار البيضاء ما زالت تتسيّد المشهد، تليها الرباط ثم مراكش، لكن الجنوب والشرق؟ هناك، النسب ترتفع، ترتفع كأنها تستغيث. بعض المناطق تكاد تنسى شكل الاستقرار، وبعضها يُكافح بصمت.
ولكن، رغم هذا كله، السوق لا يموت. ربما يتألم، يتعثر، يتيه أحيانًا، لكنّه لا يموت. الأرقام تخفي أكثر مما تُظهر، وتحت البيانات الرسمية، هناك نبض يومي، حقيقي، لا يُقاس بالنسب بل بالوجوه والتجارب.
في النهاية، يمكننا أن نقول… سوق الشغل يشبه المريض الذي لم يُشفَ، لكنه أيضًا لم يستسلم. وكل ما نراه الآن، ليس إلا عتبة لمرحلة قد تحمل وضوحًا أكبر… أو مزيدًا من الغموض.






