زلزال الافتحاص يهز جماعات البيضاء.. ملفات ثقيلة تنفجر
بهدوء إداري ظاهر… لكن بثقل سياسي واضح، دخل قضاة المجلس الجهوي للحسابات على خط جماعات جهة الدار البيضاء–سطات، وفتحوا أبواب ملفات وُصفت داخل الكواليس بـ”الساخنة”.
الأمر لا يتعلق فقط بمراقبة روتينية، بل بعملية تشريح دقيقة لطريقة تدبير الشأن المحلي، حيث تتقاطع المصالح، وتضيع الحدود بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة.
المعطيات الأولية تكشف أن التحقيقات لا تقف عند مرحلة زمنية محددة، بل تمتد إلى سنوات سابقة وحديثة، وكأن الافتحاص يحاول إعادة بناء “قصة تدبير” طويلة، تراكمت فيها الأخطاء حتى تحولت إلى نمط. هنا، لا يعود الحديث عن اختلالات معزولة، بل عن منظومة تحتاج إلى مساءلة.
أكثر النقاط حساسية تتعلق بتدبير المنازعات القضائية. ملفات يُفترض أنها تقنية وقانونية بحتة، تحولت إلى نقطة نزيف حقيقي لمالية الجماعات. تعويضات مالية مرتفعة صدرت بشأنها أحكام نهائية، أنهكت الميزانيات، وطرحت سؤالًا أكبر: كيف تُدار هذه الملفات أصلًا؟ ومن يستفيد من تعقيدها؟
في العمق، يظهر خيط أكثر إزعاجًا: تضارب المصالح. مؤشرات تتحدث عن منتخبين، أو مقربين من دوائر القرار، وجدوا أنفسهم في موقع مزدوج… صانع القرار من جهة، وطرفًا في النزاع من جهة أخرى. هذه المعادلة، إن ثبتت، لا تعني فقط خرقًا قانونيًا، بل اختلالًا في جوهر الثقة التي يفترض أن تقوم عليها الجماعات.
التحقيقات لم تتوقف عند هذا الحد. جماعة بوسكورة تحولت إلى نموذج مصغر لما يجري، حيث امتد الافتحاص إلى ملفات التعمير، خصوصًا منح الرخص الفردية. شبهات قوية تحوم حول طريقة منح هذه التراخيص، والتي يُعتقد أنها تمت خارج الضوابط، وبعيدًا عن التوجيهات الرسمية لـ وزارة الداخلية. هنا، يتحول التعمير من أداة تنظيم إلى مجال مفتوح للتأويل… وربما للتلاعب.
مصادر متطابقة تؤكد أن لجنة التفتيش تعتمد على تقارير مفصلة، دقيقة، ومبنية على معطيات ميدانية، ما يعني أن الأمر لا يتعلق بتخمينات، بل بوقائع قابلة للتثبيت. التركيز، في هذه المرحلة، ينصب على الأحكام القضائية الصادرة في السنوات الأخيرة، خصوصًا تلك التي خلفت أثرًا ماليًا ثقيلاً، وأعادت طرح سؤال الحكامة داخل الجماعات.
ما يجري اليوم ليس مجرد افتحاص عابر، بل لحظة اختبار حقيقية لنموذج التدبير المحلي. بين نصوص قانونية واضحة، وممارسات تبدو أكثر مرونة من اللازم، تتكشف فجوة لا يمكن تجاهلها. والسؤال الذي يفرض نفسه بصمت: هل يكفي الافتحاص لكشف الأعطاب… أم أن الأمر يحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد تقارير؟

