خامنئي يرى ترامب في الشوارع… وإيران تحاكم الغضب بتهمة العمالة

خامنئي يرى ترامب في الشوارع… وإيران تحاكم الغضب بتهمة العمالة

يبدو أن الشارع الإيراني لم يعد ملكًا للإيرانيين وحدهم. فبحسب قراءة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، لم يخرج المحتجون بدافع الغضب أو الضيق أو الفقر، بل خرجوا ليُسعدوا رئيس دولة أخرى. نعم، هكذا ببساطة: الشوارع تُحطَّم، والواجهات تُحرق، لا لأن الداخل يئنّ، بل لأن دونالد ترامب – على ما يبدو – يحتاج إلى جرعة معنوية من طهران.

الخطاب الذي ألقاه خامنئي لم يكن مجرد تعليق عابر، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان: حين يحتج المواطن، فهو لا يحتج على أوضاعه، بل يؤدي خدمة مجانية لأعداء الأمة. وحين يطالب بالتغيير، فهو لا يطالب بحقوقه، بل ينفذ أجندة مكتوبة بلغة أجنبية. هكذا، تتحول الهتافات إلى “مؤامرة”، والشوارع إلى “ساحة حرب بالوكالة”.

ولكي تكتمل الصورة، لم تَخْذُل الحشود قائدها. الهتافات المعتادة حضرت في الموعد: “الموت لأمريكا”. وكأن المشهد يحتاج إلى إعادة ضبط صوتي، لتذكير الجميع بأن العدو في الخارج، حتى لو كانت الأزمة في الداخل، وأن الغضب الشعبي يجب أن يوجَّه دائمًا إلى الاتجاه الصحيح… بعيدًا عن السلطة.

لكن الجدية الحقيقية لم تظهر في الخطاب فقط، بل في الإجراءات. الإنترنت قُطع، الاتصالات عُزلت، والعالم الخارجي أُغلق بزرّ واحد. فحين تعجز السلطة عن إقناع الشارع، تقنعه بالصمت. وحين يصعب التحكم في الصورة، تُطفأ الكاميرا. هكذا تُدار الأزمات: ليس بمعالجة أسبابها، بل بعزلها عن البث المباشر.

في الشوارع، كانت المسيرات تجوب المدن من ليل الخميس إلى صباح الجمعة، استجابة لدعوة أطلقها ولي العهد الإيراني المنفي. تفصيل أربك الرواية الرسمية، لأن الاحتجاج حين يأتي من الداخل يُزعج، وحين يُربط بالخارج يُريح. فوجود “عنوان خارجي” للاحتجاج يجعل تفسيره أسهل، حتى لو لم يجعله أقل خطورة.

أما التلفزيون الرسمي الإيراني، فقد أدّى دوره كالمعتاد، معلنًا أن “عملاء إرهابيين” تابعين للولايات المتحدة وإسرائيل هم من أشعلوا النيران وأثاروا العنف. لا أسماء، لا أرقام، فقط “إصابات” بلا تفاصيل، وخصوم جاهزون دائمًا لتحمل المسؤولية. فالرواية، حين تفتقر إلى الأدلة، تعوّضها بالاتهامات الواسعة.

المفارقة الساخرة أن كل هذا الجهد يُبذل لإقناع الإيرانيين بأن مشكلتهم ليست في الداخل. لا في الاقتصاد، ولا في الحريات، ولا في المستقبل. مشكلتهم، حسب الخطاب، اسمها ترامب، وجنسيتها أمريكية، وتعمل عن بُعد من الشوارع الإيرانية.

في النهاية، قد تنجح السلطة في إسكات الإنترنت، وقد تنجح في رفع الصوت أعلى من الشارع، لكنها تواجه معضلة لا تُحل بالخطابات ولا بالاتهامات: حين يخرج الناس، فذلك لأن شيئًا ما انكسر في الداخل. أما تحميل الغضب الشعبي على عاتق رئيس أمريكي، فليس سياسة… بل سخرية سوداء من واقع لم يعد يحتمل الإنكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى