...

حين يعجز وزير التعليم عن القراءة… من يقود إصلاح المدرسة؟

حين يعجز وزير التعليم عن القراءة… من يقود إصلاح المدرسة؟

لم تكن تلك اللحظة داخل قبة البرلمان مجرد زلة لسان عابرة، بل مشهدًا رمزيًا كثيف الدلالات: وزير التربية الوطنية يتوقف، يتردد، ويكافح لقراءة جملة بسيطة باللغة العربية. لحظة قصيرة في الزمن، لكنها طويلة الأثر في المعنى، لأنها كشفت فجوة عميقة بين المدرسة العمومية كما يعيشها ملايين التلاميذ، وبين من يُفترض أنه يقود إصلاحها من أعلى هرم القرار.

المفارقة الساخرة أن الرجل نفسه معني بمحاربة الهدر المدرسي، وتقليص نسب الأمية، والرفع من جودة التعلمات. غير أن اللغة، بوصفها الأداة الأولى للتعليم والقيادة معًا، بدت وكأنها عائق مفاجئ في طريق هذا المشروع الإصلاحي. وهنا لا يتعلق الأمر بإتقان النحو أو البلاغة، بل بالحد الأدنى من الطلاقة الرمزية التي تمنح المسؤول شرعية ثقافية أمام قطاع يعيش باللغة، ويتنفسها يوميًا.

المشهد أعاد إلى الواجهة سؤالًا مؤجَّلًا: هل يكفي أن يكون المسؤول “تقنيًا ناجحًا” في عالم الأرقام والملفات، ليقود قطاعًا له عمق تاريخي وقيمي مثل التعليم؟ أم أن المدرسة العمومية تحتاج، قبل الخطط والبرامج، إلى من يفهم لغتها، ويتقن رموزها، ويحسن مخاطبة أهلها بلغة غير متعثرة؟

التعليم، في جوهره، ليس ملفًا إداريًا يُدار بجداول “إكسيل” وتقارير مؤشرات الأداء فقط. إنه أمانة رمزية، تتطلب حضورًا ثقافيًا يمنح القرارات معناها، ويجعل الإصلاح مقنعًا قبل أن يكون مكتوبًا. وعندما يهتز هذا الحضور، تهتز معه الثقة، ويصبح كل حديث عن “إصلاح شامل” أقرب إلى تمرين نظري بلا روح.

ولأننا نعيش زمن التواصل الاجتماعي، لم تمر اللحظة مرور الكرام. الكاميرات التقطت التردد، والمنصات الرقمية فعلت ما تجيده: تضخيم الصورة، تحويلها إلى مادة للسخرية، وربطها بواقع المدرسة التي يُطلب من أساتذتها وتلامذتها إتقان اللغة، بينما يتعثر بها من يفترض أنه حارسها الأول. وهكذا، لم تعد القضية لغوية فقط، بل صارت أزمة هيبة مؤسسية تُغذّي الفجوة بين الإدارة المركزية والعالم المدرسي.

الصمت الرسمي الذي أعقب الواقعة زاد المشهد التباسًا. فهل هو محاولة ذكية لتفادي التضخيم؟ أم اعتراف غير معلن بأن الموقف مربك، ولا يملك جوابًا جاهزًا؟ في الحالتين، يبقى الفراغ التأويلي أخطر من الخطأ نفسه، لأنه يترك الانطباع بأن الرموز التربوية تُدار بلا حساسية رمزية.

في النهاية، يطرح هذا المشهد سؤالًا لا علاقة له بشخص الوزير بقدر ما يتعلق بمنطق التعيين نفسه: كيف ننتظر إصلاحًا تربويًا ناجحًا دون تمثيل رمزي قوي يعكس لغة المدرسة وهويتها؟ وكيف نطلب من التلميذ أن يؤمن بالمدرسة العمومية، إذا كان من يقودها يبدو غريبًا عن لغتها؟

القيادة التعليمية ليست إدارة رقمية فحسب، بل مسؤولية ثقافية. وحين تتعثر اللغة في قبة البرلمان، فإن العثرة لا تكون في اللسان فقط… بل في صورة الإصلاح برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى