
حكومة تتفاخر بالملايين… وتعجز عن مفتاح حي جامعي
حكومة تتفاخر بالملايين… وتعجز عن مفتاح حي جامعي
يبدو أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش لا يزال يُطلّ علينا كل أسبوع بوصلة جديدة من “الإنجازات الخيالية”، تلك التي تُطبخ في مطابخ العلاقات العامة أكثر مما تُنتَزَع من أرض الواقع.
الرجل مقتنع ـ وبإصرار مثير للشفقة ـ أنه يقود طفرة اقتصادية غير مسبوقة، وأن ملايين مناصب الشغل تتساقط من السماء كالمطر. لكن، ما إن نترك خطاباته جانبًا وننظر نحو مدينة أكادير مثلًا، حتى نصطدم بحقيقة مُضحكة حدّ الأسى: الحكومة التي تدّعي فتح أبواب الجنة للشعب، عاجزة حتى عن فتح باب غرفة في الحي الجامعي لطلبة ينتظرون سكنًا يحفظ كرامتهم.
في بلد تُسوَّق فيه الإنجازات مثل العطور، يصبح السكن الجامعي رفاهية، ويُصبح الطالب مجبرًا على افتعال معركة يومية فقط ليحصل على سرير لا يشبه ثلاجة في الشتاء ولا فرنًا في الصيف. هنا، تنكشف الفجوة بين “وهم الإنجاز” و”حقيقة الفشل”؛ بين حكومة تتباهى على الشاشات، وشباب يبيتون أمام أبواب الأحياء الجامعية وكأنهم أمام مكتب استخلاص الديون.
والطريف في كل ذلك أن رئيس الحكومة، الذي يتحدث عن “إصلاحات كبرى” بحجم القارات، يختفي تمامًا عندما يُطلب منه حلّ مشكل بسيط، صغير، محلي، لا يحتاج لجنة برلمانية ولا مناظرة وطنية… فقط قرار إداري وشوية مسؤولية. لكن يبدو أن السكن الجامعي أكبر من قدرات الحكومة، أعقد من الميزانية، وأخطر من ملف المحروقات نفسه.
هنا ينفجر السؤال بصوت مرتفع: كيف لرجل يعجز عن حل أزمة سرير جامعي أن يقنع المغاربة بأنه قادر على حل مشاكل البطالة، الصحة، العدالة، والكرامة؟ كيف يمكن لمن يتلكأ أمام باب حي جامعي أن يفتح أبواب التنمية الكبرى؟
الأدهى أن الحكومة لا تكتفي بالعجز… بل تُضيف إليه جرعة من الوهم. وهكذا يصبح الفشل نجاحًا، والتأخر تقدّمًا، والاحتجاج “سوء فهم”، أما من يطالب بحقه فهو ـ حسب القاموس السياسي الجديد ـ عدو النموذج التنموي. وفي نسخة أكثر سخرية، يصبح رئيس الحكومة نفسه “حامي الشعب”، حتى وإن كان الشعب لا يرى منه سوى ظهره وهو يدير ظهره لمشاكلهم.
إنه ذلك النوع الغريب من السياسيين الذين يُصرّون على إقناع الناس أنهم يعيشون في دولة متقدمة، فقط لأنّهم شاهدوا فيديوهات من المنتدى الاقتصادي العالمي. وفي كل مرة يحتج فيها الطلبة أو العمال أو المواطنين، يخرج الخطاب نفسه: “إنجازات، إصلاحات، رؤية، إستراتيجية…” بينما الحقيقة على الأرض تقول شيئًا آخر تمامًا: الشعب في واد، والحكومة في واد آخر… وربما في قارة أخرى.
والآن، ومع اقتراب الطلبة من خيار الإضراب أو الاعتصام لتحصيل حقّهم الأساسي في السكن ـ لا في الرفاه ـ يظهر الجوهر الحقيقي للأزمة: حكومة فقدت حساسيتها تجاه الناس، ورئيس حكومة فقد الاتصال نهائيًا مع الواقع. وكأن العلاقة بين “أخنوش” و”الشعب” أصبحت علاقة متوترة إلى حدّ يمكن وصفه سياسيًا بشيء واحد: رئيس حكومة يُعامل المواطنين كما لو كانوا ضيوفًا غير مرغوب فيهم في بلدهم.





