جامعة الغد بين الوعود اللامعة والواقع الباهت… قراءة ساخرة في عرض الوزير الميداوي
قدّم وزير التعليم العالي عز الدين الميداوي أمام وسائل الإعلام حصيلة قال إنها “تاريخية”، تحت شعار أن الجامعة المغربية تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل. لكن المتأمل في لغة الأرقام، وفي الطريقة التي تمّ تقديمها، يدرك سريعاً أن العرض كان أقرب إلى جولة علاقات عامة منه إلى تشخيص عميق لقطاع يعيش على وقع أعطاب متراكمة تحتاج إلى أكثر من شعارات وبروتوكولات.
فالوزير افتتح خطابه بفخر كبير حين أعلن تسجيل أكثر من مليون وثلاثمئة ألف طالب، وكأن تضخم الأعداد علامة تقدم، في حين أن كل متتبع للشأن الجامعي يعرف أن هذا الارتفاع يعني شيئاً واحداً: أقسام مكتظة، ومدرجات تختنق، وبنية تحتية تئن تحت وطأة الضغط، مع الخصاص المهول في الأساتذة الباحثين.
ورغم ذلك، فإن الوزارة تحتفل بتمديد سن التقاعد لثلاثمئة أستاذ وكأنها حققت فتحاً علمياً، بينما الحقيقة أن القطاع عاجز عن جذب الكفاءات الشابة أو تحسين شروط البحث الجامعي.
ثم يحدّثنا الوزير بثقة عن “الإصلاح القانوني الكبير” الذي يشمل خمسة مشاريع قوانين وستة عشر مرسوماً وسبعة عشر قراراً… أرقام كثيرة، نعم، لكن المغاربة خبروا جيداً أن الكم التشريعي لا يعني بالضرورة جودة التنفيذ، وأن القوانين في هذا البلد كثيراً ما تظلّ معلقة بين الأدراج، لا ترى النور إلا يوم الافتتاح الرسمي أو يوم الإحصاء الوزاري.
أما “التعاقد كآلية للحكامة الجديدة”، فهي جملة أنيقة أخرى تضاف إلى قاموس الخطاب التقني، لكنها لا تجيب عن السؤال الحقيقي: هل سيُحاسَب رؤساء الجامعات والمسؤولون فعلاً على نتائجهم؟ أم أننا أمام صيغة جديدة لا تختلف عن سابقاتها سوى في تغيير الاسم؟
ويمضي الوزير في تعداد إنجازات بيداغوجية قال إنها غير مسبوقة: تعديل دفاتر الضوابط للّيسانس والماستر، واستحداث “الباشلور في التكنولوجيا”، وإصلاح السلك الطبي… وكلها خطوات مطلوبة، لكن السؤال الذي يتجنب الجميع طرحه هو: كيف نُنجح هذه الإصلاحات في غياب المدرّسين، وفي ظل نقص التجهيزات، ومع غياب رؤية واضحة لربط الجامعة بسوق الشغل؟
ولا يكتمل المشهد دون الحديث عن “E-Logha-Sup”، المنصة الوطنية الجديدة للغات. خطوة محمودة، لا شك، لكن هل يكفي إطلاق منصة رقمية لحلّ أزمة لغوية عمرها عقود؟ وهل يعقل أن تواجه الجامعات ضعف تكوين الطلبة في اللغات بموقع إلكتروني بدل استراتيجية وطنية شاملة للتمدرس والابتدائي والثانوي؟
أما على مستوى البحث العلمي، فالكلام كبير والنتائج ما تزال صغيرة. مليار درهم في شراكة مع مؤسسة OCP لتمويل البحث… رقم جذاب إعلامياً، لكنه في الحقيقة نفس الرقم الذي يُعاد تدويره كل سنة مع تغيير الغلاف.
وبينما الجامعات العالمية تُنافس على اكتشافات علمية كبرى، ما زالت جامعاتنا تكافح لتوفير مختبرات صالحة للاستخدام وأجهزة قياس لا يعود تاريخها إلى عقد التسعينيات.
ولم ينسَ الوزير أن يعرّج على السكن الجامعي، فأخبرنا بفخر عن إضافة أربعة آلاف سرير، وبناء خمس مدن جامعية جديدة. مبادرة جيدة، نعم، لكنها قطرة في بحر، لأن الأزمة الحقيقية هي جودة هذه الأحياء لا عددها، وغياب الأمن داخلها، وارتفاع تكاليف المعيشة التي تجعل آلاف الطلبة يعيشون في ظروف لا تليق ببلد يتحدث ليل نهار عن “الرأسمال البشري”.
وفي نهاية العرض، ختم الوزير بالدعوة إلى “تعبئة وطنية شاملة” للنهوض بالجامعة، وهي الجملة التي تُقال كل سنة منذ عقود، بنفس الحماس ونفس الهدوء ونفس النتائج.
الحصيلة؟
عرض مليء بالأرقام، قليل الدقة، كثير اللغة الدبلوماسية، ويقدم صورة لقطاع يتحرك على الورق أكثر مما يتحرك على الأرض. وبينما الجامعة المغربية تحتاج إلى ثورة حقيقية في التسيير، والبحث، والبيداغوجيا، والمناهج، والتمويل… ما زال الوزراء يفضلون سرد الإنجازات بدل مواجهة الواقع كما هو.
وبين “جامعة الغد” التي تحدث عنها الوزير، و”جامعة اليوم” التي يعرفها الطلبة والأساتذة، توجد هوة واسعة…
هي نفسها الهوة بين الخطاب والواقع، بين الطموحات الضخمة والإمكانات الهشة، بين ما يُقال أمام الكاميرات وما يعيشه الطالب في المدرج.

