تكوين الأئمة يقود استراتيجية المغرب الدينية في إفريقيا
يمضي المغرب في ترسيخ حضوره داخل العمق الإفريقي، عبر مقاربة تقوم على تأطير الحقل الديني وتكوين الأئمة، في إطار استراتيجية تستهدف بناء شبكة تأثير قائمة على مرجعيات مشتركة ورؤية معتدلة للإسلام، تتجاوز الحدود الوطنية نحو فضاء إفريقي أوسع.
في صلب هذا التوجه، يبرز دور معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي تحول إلى منصة مركزية لاستقبال وتكوين أئمة ووعاظ من دول إفريقية متعددة، ضمن برنامج يعتمد توحيد المقاربات الدينية وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية، في مواجهة تيارات متشددة تسعى إلى التمدد في المنطقة.
الرهان المغربي لا يقتصر على البعد الديني الصرف، بل يمتد إلى مواجهة التطرف العنيف، من خلال تقديم نموذج مؤسساتي للإسلام، قائم على التأطير العلمي والتكوين المستمر، بما يعزز استقرار المجتمعات ويحد من انتشار الخطابات المتشددة.
هذا المسار تعزّز مؤخرًا بتوقيع اتفاق ثنائي بين المغرب ومالي، يقضي بتكوين 400 إمام في الرباط، في خطوة تعكس توسع الشراكات الدينية بين الرباط وعواصم إفريقية، خاصة في ظل الحاجة إلى تأطير ديني منظم داخل دول تعيش تحولات أمنية معقدة.
ويأتي هذا التعاون في سياق إقليمي يتسم بتحديات أمنية متزايدة، خصوصًا داخل بلدان تحالف الساحل، حيث تسعى الحكومات إلى تعزيز حضور الإسلام المؤسساتي كبديل عن الخطابات المتطرفة، وضمان استقرار المجال الديني ضمن رؤية أكثر انضباطًا.
المقاربة المغربية، التي تمزج بين التكوين الديني والعمل الدبلوماسي، تبرز كخيار يقوم على القوة الناعمة، من خلال الاستثمار في الإنسان والفكر، بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية التقليدية، وهو ما يمنحها حضورًا متزايدًا داخل القارة.
في المجمل، يعكس هذا التوجه انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من تدويل نموذجه الديني، عبر أدوات تكوينية ومؤسساتية، تسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية الأمن الروحي ومواكبة التحولات الجيوسياسية التي تعرفها إفريقيا.

