
تكلفة الفساد في المغرب… حين تكشف الكوارث ما تخفيه التقارير
تكلفة الفساد في المغرب… حين تكشف الكوارث ما تخفيه التقارير
لم يعد الحديث عن الفساد في المغرب مجرد سجال أخلاقي أو سياسي، بل صار نقاشًا بالأرقام، بالأثر، وبالنتائج الملموسة في حياة المواطنين. فوفق أحدث تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية، ظل المغرب منذ 2012 إلى غاية 2025 يتراوح بين 39 و40 نقطة من أصل 100 في مؤشر إدراك الفساد، محتلاً المرتبة 91 من أصل 182 دولة.
أرقام جامدة في ظاهرها، لكنها تعكس واقعًا مقلقًا: جهود متواصلة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية نحو عتبة الشفافية المطلوبة، التي تضعها المنظمة في حدود 55 نقطة على الأقل.
الأخطر من التصنيف الدولي هو الكلفة الداخلية. تقارير وطنية تتحدث عن 50 مليار درهم سنويًا كتكلفة مباشرة للفساد، أي ما يعادل نحو 6% من الناتج الداخلي الخام. هذا الرقم ليس مجرد تقدير اقتصادي، بل هو مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهَّز، وطرق لم تُعبَّد كما ينبغي.
الكوارث الطبيعية كشفت، بوضوح مؤلم، هشاشة البنية التنموية. فيضانات القصر الكبير والعرائش، قبلها زلزال الحوز، لم تكن فقط أحداثًا طبيعية؛ بل تحولت إلى اختبارات حقيقية لمدى صلابة التخطيط الترابي وجودة البنية التحتية.
طرق انهارت، مسالك غابت، إسفلت تعرّى بسرعة، تجهيزات أساسية لم تصمد. هنا يتجسد الفساد في شكله غير المرئي: في ضعف السمك، في غياب المراقبة، في صفقات تمرّ تحت غطاء قانوني لكنها تفرغ من روح المصلحة العامة.
المشكل، كما يطرحه فاعلون مدنيون، لا يكمن فقط في حالات فردية معزولة، بل في منظومات تواطؤ تمتد بين منتخبين ومسؤولين وإدارات، حيث تُضفى الشرعية على قرارات عبر لجان ومحاضر قانونية، بينما تُحرّف الأهداف الحقيقية للعقار العمومي والمال العام.
نموذج تدبير بعض العقارات في مدن كبرى، وما أثير حول تفويتها لشركات ذات صلة بمنتخبين أو مقربين، يعكس كيف يمكن أن يتحول “الاستثمار” إلى مظلة لمراكمة الامتيازات بدل خلق القيمة المضافة.
حتى المشاريع الملكية الكبرى، التي يُفترض أن تكون رافعة تنموية، لم تسلم من التعثر. تقارير رسمية أشارت إلى أن نسبة مهمة من المشاريع عرفت تجاوزات في التكلفة أو تأخرًا في الإنجاز، بعضها بسبب إشكالات عقارية، وبعضها نتيجة اختلالات في التنسيق أو التنفيذ. حين يتعطل مشروع تنموي لسنوات، لا يخسر المواطن فقط زمنًا، بل يخسر الثقة.
المعركة ضد الفساد، إذن، ليست فقط مسؤولية الدولة أو الهيئات الرقابية، بل مسؤولية مجتمعية. فالصمت يطيل عمر الاختلال، واللامبالاة تمنح الفساد فرصة التمدد.
الإصلاح لا يتحقق بالاحتجاج وحده، ولا بالتقارير وحدها، بل بتلاقي الإرادة السياسية مع اليقظة المدنية، وبإرساء آليات شفافة للمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الرهان اليوم ليس فقط تحسين ترتيب في مؤشر دولي، بل استعادة الثقة في زمن التنمية. لأن كل درهم يُهدر خارج منطق الحكامة هو في النهاية اقتطاع من حق جماعي في العدالة والكرامة والفرص المتكافئة.






