عاجل: تقرير البنك الدولي يضع اقتصاد المغرب تحت المجهر… فرص ضخمة وعراقيل ثقيلة
في تقرير جديد يحمل الكثير من الأرقام… وأكثر من ذلك من الإشارات السياسية والاقتصادية، كشفت البنك الدولي عن تشخيص دقيق لوضع “اقتصاد المغرب”، واضعة البلاد أمام مفترق طرق حاسم بين استثمار الإمكانات أو الاستمرار في الدوران داخل نفس الحلقة.
التقرير، الذي جاء تحت عنوان “تشخيص القطاع الخاص”، لا يكتفي بسرد المعطيات، بل يرسم خريطة طريق واضحة: المغرب يمتلك مؤهلات قوية، لكنه يجر وراءه قيودًا هيكلية تعرقل انطلاقته الحقيقية.
في الواجهة، تبرز أربعة قطاعات تحمل وعودًا استثمارية ضخمة. أولها الطاقة الشمسية اللامركزية، التي تفتح الباب أمام استثمارات تناهز 2.9 مليار دولار، مع إمكانية خلق أكثر من 43 ألف منصب شغل. غير أن هذا الحلم الطاقي يصطدم بإطار تنظيمي لا يزال غير مكتمل، ما يحوّل الإمكانات إلى فرص مؤجلة.
القطاع الثاني، النسيج منخفض الكربون، يظهر بدوره كرهان صناعي واعد، باستثمارات قد تصل إلى 1.9 مليار دولار، لكن هذا المسار الأخضر يصطدم بعوائق تنظيمية مرتبطة بتدبير النفايات وصعوبة الولوج إلى التمويل، وكأن الصناعة مطالبة بالتحول دون أن تُمنح الأدوات الكافية.
أما زيت الأركان ومستحضرات التجميل الطبيعية، فيقدمان نموذجًا فريدًا يجمع بين التراث والاقتصاد، مع إمكانات استثمارية تقارب 600 مليون دولار. غير أن التعقيدات المرتبطة بالتتبع والجودة والتنظيم تحول دون تحقيق هذا القطاع لقفزته الكاملة.
وفي البحر، حيث تبدو الفرص أوسع، تبرز تربية الأحياء المائية بإمكانيات استثمار تناهز 1.96 مليار دولار، مع قدرة على خلق ما يقارب 75 ألف منصب شغل. لكن هنا أيضًا، تعرقل المساطر الإدارية الثقيلة دينامية الاستثمار، وكأن البحر مفتوح… والإدارة مغلقة.
ورغم هذه العراقيل، لا ينكر التقرير أن المغرب حقق تقدمًا ملموسًا على مستوى التوازنات الماكرو-اقتصادية، بفضل سياسات حذرة وإصلاحات تدريجية، ما ساهم في رفع الناتج الداخلي الخام وتحسين الدخل الفردي، إلى جانب ترسيخ موقعه كجسر استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا.
غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي خللًا عميقًا: الاستثمار الخاص لا يزال دون المستوى المطلوب. فخلال الفترة الممتدة بين 2014 و2022، لم يتجاوز ثلث تكوين رأس المال، في وقت تتقدم فيه دول أخرى بخطوات أسرع في جذب الاستثمارات الأجنبية.
المناخ الاستثماري بدوره يواجه تحديات متعددة، حيث تشير الشركات إلى عراقيل يومية تبدأ من المنافسة غير المتكافئة مع القطاع غير المهيكل، ولا تنتهي عند صعوبة الحصول على التمويل أو نقص الكفاءات. وبين هذا وذاك، تتسلل شبهة الفساد كعامل يثقل كاهل المبادرات الخاصة.
في المقابل، تحضر المؤسسات العمومية بقوة داخل الاقتصاد، حيث تمثل حوالي 22% من الناتج الداخلي الخام، وتستفيد من امتيازات تمويلية تعيد رسم قواعد المنافسة، وتطرح سؤال التوازن بين القطاعين العام والخاص.
التقرير لا يكتفي بالتشخيص، بل يلمّح إلى ضرورة إصلاحات عميقة، خاصة في القطاعات الأربعة التي تم تحديدها، مع التركيز على تسهيل الولوج إلى الطاقة النظيفة، وتبسيط المساطر، وتحسين البنية التحتية، كمدخل أساسي لتحرير طاقات الاستثمار.
في النهاية، يضع “اقتصاد المغرب” أمام لحظة حاسمة: إما تسريع وتيرة الإصلاحات بشكل منسق، أو الاستمرار في تضييع فرص قد لا تتكرر. المرحلة المقبلة لن تُقاس بالخطابات، بل بمدى القدرة على تحويل هذه الأرقام إلى واقع اقتصادي ملموس.

